بسم الله الرحمن الرحيم
ملف الحج / الطنطاوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فهذه فوائد جميلة ، وإشارات مفيدة كتبها الأديب الأريب علي الطنطاوي رحمه الله ، جمعتها لك أخي القارئ من كتب الشيخ ـ رحمه الله ـ أثناء قراءتي لكتاباته المفيدة ، وفي هذه المرة جمعت لك ما يتعلق بالحج ، فقد أشار إشارات رائعة في هذا الباب أحببت أن أشركك إياها وعسى أن تقضي وقتًا ماتعًا فيها سائلا المولى القدير أن ينفعك بها وأن يجعل عملا خالصا لوجهه الكريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الوقفة الكبرى
أمامي بسيط من الأرض كان أمس ( الأربعاء ) صحراء ، ما فيها دار ولا ديّار ، وغدًا (الجمعة ) تصير مدينة عامرة فيها شوارعها وبيوتها وسياراتها وكل ما يحتاج إليه ساكنوها ، وساكنوها يزيدون عن مليونين من الناس .
نحن نعرف قصة إنشاء كثير من المدن ، واسط التي بناها الحجاج ، وبغداد المنصور ، وقاهرة المعز ، مدن كثيرة صغيرة كما يولد كل حي ثم نمت وكبرت . ولكن هل عرفتم مدينة تولد في يوم واحد فإذا هي من كبريات المدن ثم تخلو بعد يوم واحد ؟ بلدة قامت في صحراء حيث لا نبع ولا ماء ، وليس فيها حدائق ولا بساتين ، ليس فيها شيء مما في الشام وجاوه وسويسرا من بارع المناظر ، وفاتن المشاهد ، وليس فيها شيء مما في مصر والهند والعراق ،من جليل الآثار ، وليس فيها سوق للتجار يبيعون فيه ويشترون ويربحون . ولا ملاعب للهو ، ولا مقاصف للمتعة ، يؤمها قاصدوها يستمتعون ويمرحون . ولا جامعات ولا نواد للمحاضرات يحضرها طلبة العلم ورواد المعرفة والإطلاع . ليس فيها شيء من ذلك .وعظمتها أنه ليس فيها من ذلك شيء .
لو كانت الوقفة في بلاد الجمال أو المال أو الثقافة أو اللهو والتسلية لاشتغل الحجاج بذلك عن الوصول بقلوبهم إلى الأُنس بالخلوة بالله ، وإلى لذة مناجاته . لذلك كانت الوقفة في أرض خالية ما فيها ما يشغل القلب أو البصر أو العقل ، وكانت بثياب ما فيها من معاني الثياب إلا أنها تستر الجسد ، وتحجب العورة ، فلا أناقة ولا زينة ولا تفاخر ولا تفاوت . وكان القعود فيها على الأرض تحت الشمس أو في خيام ليس فيها معاني البيوت إلا أنها تمنع الشمس ، فلا قصور حولها البساتين الواسعة ، ولها الأبواب الشارعة ، ولأبوابها الأقواس الرائعة ، وعليها الصور البارعة ، لا شيء من ذلك كله . قد اختصرت الدنيا واقتصر منها على هذا الأقل الذي لابد منه ، ولا غنى عنه ، لتشغل من قلب الحاج الحد الأدنى للاهتمام بها ، وينصرف القلب إلى ذكر الله والاستعداد للآخرة . إنكم تعيشون أيامكم كلها للدنيا ، تهتمون بها ، وتجمعون لها وتحرصون عليها ، فاجعلوا هذه الساعات من هذا اليوم للآخرة . فرّغوا قلوبكم لها نصف نهار وأنا أعلم أن الشيطان لم يكن ليدعكم ، والشيطان موكل بالإنسان ، يأتيه من أمام ومن خلف ومن يمين ومن شمال ، ويجري منه مجرى الدم ويوسوس له ويحوم حوله كالعدوّ يحوم حول القلعة ، فإن وجد حراس القلعة ساهرين يرمونه بالرصاص إذا تقدم ، ووجد القلعة محكمة البنيان ، ليس لها منفذ ، وقف بعيدًا . فإن وجد غفلة من الحارس ، أو ثغرة في الجدار دخل .
وقلعة الإيمان، حراستها بيقظة القلب ، الدفاع عنها بذكر الله ، وثغرات الشيطان إليها كثيرة ولكن أوسعها اثنتان: الشهوة والغضب . فإذا غلبت على الإنسان الشهوة ، وتملكه الغضب ، فقد أعلن استسلامه للشيطان . فأقبلوا في هذا اليوم على الله فإنه يوم واحد في السنة ولعلكم لا تقفون هذا الموقف مرة ثانية فحاولوا أن لا تضيعوا دقيقة منه إلا في طاعة ودعاء ،فإن لم تدعوا بألسنتكم فاذكروا الله بقلوبكم ، تذكروا ذنوبكم واستغفروا منها ربكم ، فإن لم تفعلوا ذلك ، فلا أقل من أن تعصموا ألسنتكم عن الغيبة والكذب فإنهما حرام كل يوم وحرمتهما في هذا اليوم أشد .
إن الاختلاف يكاد يكون في هذه الدنيا من لوازم الإنسان ، اختلاف في القوميات ، وفي الألسنة وفي المذاهب والألوان ، ونزاع دائم: نزاع على الأموال وعلى اللذة وعلى الجاه ، وعلى السلطان . اختلاف وتنازع في كل مكان وفي كل زمان ، في أقصى الشرق وأقصى الغرب ، من أقدم الأزمان إلى الآن ، لا تجدون مكانًا واحدًا يخل من الاختلاف وتسقط فيه حواجز الدم واللسان وتمحي فيه فوارق الغنى والسلطان ، إلا هذا المكان .
ولو كان مثل هذا المشهد لأمة من الأمم الحية التي تقدر أمجادها ، وتحصي مفاخرها ، لنظم فيه مئة ملحمة وألف رواية ، وعشرة آلاف قصيدة ومقطوعة ، ولباهوا به الإنس والجن ، وأين مثل هذا المشهد ؟ .