فهرس الكتاب

الصفحة 24459 من 27345

نصر الله عز وجل الأوائل في مواطن كثيرة، لأنهم كانوا يحسون إحساسًا عميقًا بالإسلام، يرمون عن يد الله تعالى، ويستروحون عبير الجنة، ويسمعون حفيف أجنحة الملائكة.

لقد تعلم الأوائل في ساحة القرآن الكريم، ولذلك كان رمضان عندهم في موسم جهاد للنفس والعدو لا موسم ولائم وحفلات تزخر بأطايب الطعام والشراب، وأكدوا حقيقة واقعة ناصعة هي أن مشقة الصوم لا تقعد بالصائم عن ممارسة أشق الأعمال، وإنما تدفعه إلى الاستزادة منها.. وشتان ما بين واقع المسلمين الأوائل والمسلمين اليوم.. فواقع المسلمين اليوم يرسم علامات استفهام وعلامات تعجب أيضًا على كثرتهم يفتقرون لشئ واحد هو الإحساس بالإسلام! الإحساس بالمبادئ الإلهية والتعاليم المحمدية التي ساد بها أسلافهم.. الإحساس بالقيم الرفيعة التي كانت تختلج في وجدان المسلمين الأوائل.. الإحسان بأن المشقة في سبيل الإسلام إنما هي زاد روحي أغلى من متاع الدنيا.

ولقد حدثت في خلال شهر رمضان معارك عظيمة خاض غمارها المسلمون وهم صائمون، وانتصروا فيها انتصارًا باهرًا، ومازال التاريخ يتعطر بأنباء هذه المعارك التي تمدُّ المسلمين بالقوة، وتذكرهم بما يجب عليهم حتى يواصلوا جهادهم في سبيل نصرة دينهم وإعزاز شأن أنفسهم تحقيقًا لقوله تبارك وتعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" (1) ."

ومن انتصارات المسلمين في شهر رمضان:

غزوة بدر الكبرى

معركة بدر الكبرى وقعت في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة.. قال رب العزة والجلال في شأنها: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (2) .

وفي هذه الغزوة وغيرها لجأ رسول الله إلى الله تعالى داعيًا:"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادُّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني.. اللهم ٌإن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد..".

ولقد قاتل المسلمون في معركة بدر قتالًا رائعًا يميزه الصدق والإخلاص والحرص على الموت في سبيل الله تعالى، ولقد علم الله منهم هذا، فساندهم وثبتهم وشد عزائمهم وأمدهم بملائكته.. قال تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (3) .

وكان شعار الصحابة يوم بدر: أحَدٌ.. أحَدٌ، وتسابق الصحابة إلى الموت رجاء أن يدخلوا الجنة، حتى إن عمير بن الحمام استطال المدة، التي يستغرقها أكل عدة تمرات، فألقاها من يده وقاتلهم حتى قُتل.. فَعَن أنس قال: انطلق رسول الله وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله:"لا يقدمن أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكون أنا دونه".. فدنا المشركون فقال:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض".. قال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ (4) . فقال رسول الله: ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها.. فأخرج تمرات من قرنه (5) ، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه. إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل (6) .

وذكر ابنُ جرير أنه كان يقول:

ركضًا (7) إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

وكل زاد عرضة النفاد

غير التقى والبر والرشاد

لقد كان يوم بدر يوم القصاص الذي تجلى فيه عدل الله تعالى وقصاصه للمؤمنين الأولين من المشركين الظالمين الذين ساموا الكثير منهم سوء العذاب.

قال تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (8) . فهذا أمية بن خلف الذي صاح بلالٌ في وجهه قائلًا:"أمية بن خلف رأس الكفر والضلالة لا نجوت إن نجا".. وهذا عقبة بن معيط، وأبو جهل والنضر بن الحارث وغيرهم من أئمة الكفر والضلالة.. وكانت نهايتهم في بدر عبرة وعظة لكل ظالم تحدثه نفسه بالوقوف في سبيل الحق والعدل.

والمسلمون حينما يتحدثون عن غزوة بدر، لا يتحدثون من حيث نوعية السلاح وكفاءة الأسلحة، ولا من حيث العدد والعدة، ولكن الحديث عن معركة بدر كآية من آيات الله تعالى تقرر حقيقة كونية وسنة إلهية هي أن الصراع بين الحق والباطل صراع موصول وأن الحق مهما قل أتباعه وضعف أشياعه فإن الغلبة له في النهاية، وأن الباطل مهما امتد باعه وكثر أشياعه فإن الحق دامغه ومنتصر عليه لا محالة.

وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (9) .

فتح مكة المكرمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت