الشيخ. جابر ادريس عويشة*
قيم ومضامين الحج:-
الحمد لله الذى جعل كلمة التوحيد لعباده حرزًا وحصنًا ، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا، والصلاة والسلام على نبى الرحمة وسيد الأمة وعلى آله وصحبه قادة الحق وسلم تسليما كثيرًا .قال تعالى: ( إن أولَ بيتٍ وُضعَ للناسٍ للذى ببكةَ مُباركًا وَهدى للعَالمينَ ، فيهِ آياتّ بينات مقامَُ إبراهيم وَ منَ دخله كان آمنا، ولله على الناسِ حج البيت من استطاع إليه سَبيلًا ، وَ من كَفر فإن الله غنى عَنِ العَالمين ) سورة آل عمران الآيات ( 96،97 ) .
فإن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين وهو من الدعائم الأساسية لعقيدة الإسلام ، والدوافع المحركة لأمة المسلمين تجعل المسلم حرًا وواعيًا ومسؤولًا نحو المجتمع وهى التوحيد والجهاد والحج .
والحج في جوهره ارتقاء الإنسان بالقرب من الله عز وجل وهو رمز الحكمة التى من أجلها خلق الخلق .
والحج ركن أساسي من أركان الإسلام وروحه الأصلية هي التقوى، وهو عبادة جامعة ففيه إنفاق المال ومشقة الجسد ، وذكر الله ، والتضحية في سبيله .
وهو مجموعة رموز صيغت بأعمال فهو رمز إستسلام الإنسان لله عز وجل فما الطواف والسعى والحلق والتقصير إلا ذلك وهو رمز إرتباط الأمة بأبيها إبراهيم ، فهى تحيى شعائره.
وهو المظهر العملي لوحدة الأمة بغض النظر عن الأجناس والألوان والأوطان نابعة من عقيدتهم .
وهو المظهر العملي للأخوة الإسلامية بحيث يحس بشكل عملى بأنه أخ لكل مسلم .
وهو المظهر العملي للمساواة بين الناس إذ دخلت في دين الله ، لباسهم واحد وذكرهم واحد وهو تحقيق غاية التنوع ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) فيه يتم أعظم تعارف للشعوب وهو المعول الذي يهدم الحواجز بين أبناء الأمة ، حاجز القومية والوطنية ، ويحيى في الإنسان مشاعر العطف على المسلمين والإنتصار لمواساتهم .
والحج إحياء لذكريات ربانية عرفها البشر ، ذكرى الأسرة التي لا تبالي في الله بشئ وذكرى الوالد الذى يتقرب بابنه لله عز وجل ، وذكرى الولد الذي يقدم نفسه قربانا لله عز وجل وذكرى الأم التى تثق في ربها ثقة لا حدود لها وتطيع سيدها ، وذكرى التوكل الكامل ، وذكرى العودة للبيت الذي أخرج من جواره المستضعفين .
والحج مدرسة يرتفع بها المسلم إلى آفاق أرفع وأعلى .. ويتعلم فيها بذل الجهد مع الصبر ( ولكن أفضل الجهاد حج مبرور ) ويتعلم فيها أن يعيش في عبادة دائمة ، ويتعلم أن يكون لطيفا مع المؤمنين رفيقا بهم ويتعلم فيها كبح عواطفه وإلجام نزواته .
والكعبة رمز التوحيد . إنه لا ضير أن يبقى الصالح من تقاليد العرب وشرائعهم التى ورثوها من دين إبراهيم ـ وهو بهذا يصل القديم والجديد في تاريخ الإيمان .
والرمزية هي اللغة الوحيدة لتمثيل المعاني الدقيقة والمشاعر النبيلة التى لا يمكن أن تصورها الألفاظ ، أو تجلوها العبارات .
فالحجر الأسود في الكعبة موضع الابتداء ، ونقطة التمييز في البناء ، وعنده تكون البيعة لرب الأرض والسماء على الإيمان والتصديق والعمل والوفاء .
والإحرام في الحقيقة ما هو إلا التجرد من شهوات النفس ، وما التلبية إلا شهادة على النفس بهذا التجرد .
وما الطواف بعد التجرد الإ دوران القلب حول قدسية الله . وما السعى بعد الطواف إلا التردد بين علمى الرحمة التماسا للمغفرة والرضوان .
وما الوقوف بعد السعى إلا بذل المهج في الضراعة بقلوب مملوءة بالخشية ، وأيد مرفوعة بالرجاء وألسنة مشغولة بالدعاء ، وآمال صادقة في أرحم الراحمين ، وما الرمى بعد هذه الخطوات والتى تشرق بها على القلوب أنوار ربها ، الإ رمز مقت واحتقار لعوامل الشر ونزعات النفس . وهو رمز مادى لصدق العزيمة في طرد الهوى للأفراد والجماعات .
وما الذبح ـ وهو الخاتمة في درج الترقي إلى مكانة الطهر والنقاء ، إلا إزالة دم الرذيلة بيد اشتد ساعدها في بناء الفضيلة ومشهد التضحية والفداء على مشهد من جند الله الأطهار الأبرار.
*الحج شحنة روحية وعاطفية:
الحج شحنة روحية كبيرة يزداد بها المسلم فتملأ جوانحه خشية وتقى لله ، وعزما على طاعته وندما على معصيته . وتغذى فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن الأرض المقدسة ومالها من ذكريات وشعائر ، ومالها من أثر في النفس ، وقوة الجماعة ومالها من ايحاء الفكرة والسلوك . كل هذا يترك أثره واضحا في أعماق المسلم .
فيعود من رحلته أصفى قلبًا وأطهر مسلكًا وأقوى عزيمة على الخير ، وأصلب عودا على مفردات الشر ، وكلما كان حجه مبرورا كان أثره في حياته المستقبلية يقين لا ريب فيه .
الحج ثقافة وتدريب:
قضية توسيع لأفق المسلم الثقافى ، ووصل له بالعالم الكبير حوله .
قضية تدريب على ركوب المشاق ، ومفارقة الأهل والوطن والتضحية بالراحة فهو يلتقى مع الصوم في إعداد المسلم للجهاد .