فحياة الحاج بسيطة خشنة ، حياة تنقل وإرتحال ، وإعتماد على النفس وبعد عن الترف والتكلف والتعقيد .
وقد تجلت هذه الحكمة حين جعل الله الحج دائرًا مع السنة القمرية ـ فأشهر الحج تأتى احيانًا في شدة الصيف ، وأحيانًا في زمهرير الشتاء ليكون المسلم على إستعداد لتحمل كل هذه الأجواء .
الحج له منافع تجارية:
فهو فرصة متاحة لتبادل المنافع التجارية على نطاق واسع بين المسلمين ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) .
وهو تدريب عملى على المبادئ الإنسانية العليا والقيم الإجتماعية الفاضلة ـ فقد كانت قريش تترفع على سائر العرب على الوقوف معهم في عرفات ـ وتقف في المزدلفة ـ فأبطل الإسلام هذه العادة .
وكانوا يتخذونه مجالا للتفاخر بالأنساب والأبناء ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وهو مؤتمر سنوى دعا اليه العلى العظيم ـ فهناك يجد المسلم اخوانا له من قارات الدنيا إختلفت ألوانهم ولغاتهم جمعتهم رابطة الايمان والإسلام .
فالحج أسراره بديعة ، وبركاته متعددة ، ومنافعه مشهودة ـ سواء على مستوى الافراد أو الجماعات أو الأمة ـ فهو تزكية النفوس وترويضها على الفضائل ، وتطهيرها من النقائض ، وتصفيتها من الكدرات ، وتحريرها من رق الشهوات ، وإعدادها للكمال الإنسانى ، وتقريبها للملأ الأعلى ، وتلطيف كثافتها الحيوانية ، لتكون رقا للإنسان بدلا من أن تسترقه وفيه تحقيق للعبودية ـ فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله ، ففى الحج تذلل لله وخضوع وإنكسار بين يديه ـ فالحاج يخرج من ملاذ الدنيا مهاجر ال ربه ، تاركا الطيب والنساء ، متنقلا بين المشاعر بلسان ذاكر يرجو رحمة ربه وشعاره ( لبيك ) اى إنى خاضع لك منقاد لأمرك ، فهذه التلبية ترهف شعور الحاج وفيه إقامة ذكر الله ـ وهو المقصود الأعظم للعبادات ـ فماشرعت إلا لأجله (ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلًا من ربكم ، فإذا أفضتم منت عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام وأذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وأستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فأذكروا الله كذركم أبائكم أو أشدَذكرًا )
أخلاق الحاج
إن الحج عبادة روحية كسائر العبادات ، ولكن الحج له جو خاص وحياة خاصة يحياها الحجيج .
إن الحاج أنسان رقت مشاعره وسمت أخلاقه فتجرد من ذاته وملذاته حتى صار شعثا تفلا لا يأبه بالحياة ولا ملذاتها .
أنه سلم وسلام حتى مع الحيوان الاعجم فلا يقترب من الصيد ، ولا يتجه إلى طير فيفزعه ، ومع الإنسان سلم يبتعد حتى عن مجادلة أخيه ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) إن مجرد الكلام والمجادلة قد يخرجه من حظيرة الحجيج ويبعده عن الثواب المرتقب لوفد الله .
إن المسلم في هذه البقاع يجب أن يكون مصدر رحمة لأن أيام الحج طهر ونقاء وحب للخير لبنى الإنسان ـ فإن إتجه إلى ربه بالدعاء فليكن دعاؤه عاما لكل المسلمين ، فخزائن الله ملأى ورحمته واسعة وسعت كل شئ ـ فإن إجتمعت همم الحجاج وتجردت للضراعة قلوبهم فإن الله لا يخيب أمالهم ولا يضيع سعيهم ، بل تغمرهم رحمته .
فأخلاق الحاج ليست الرحمة فحسب بل على الحجيج أن يسلكوا طريق الوحدة الشاملة والأمةالتى تزول فيها الحساسيات وتذوب فيها القوميات .
وحسن الخلق من أثقل ما يوضع في ميزان العبد ، والحاج أولى الناس بحسن الخلق لأنه يحتاج إلى خدمة الناس ، والناس يحتاجون إلى خدماته ، والإحسان والرفق في السفر من حسن الخلق - سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، قيل وما بره قال إطعام الطعام وطيب الكلام .
وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم إعتناقا لاجر ذلك .
فضل مكة المكرمة وشرف البيت:-
قال تعالى ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ، ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات والأرض وأن الله بكل شئ عليم ) .
مكة هى البلد الحرام حرمه الحق عز وجل - وحرم السلاح فيه - وحرم الشرع قتل صيده وقطع شجره ، وجعله حرمًا آمنًا، وشرفه الله بالبيت العتيق الكعبة المشرفة التى جعلها الله سبحانه وتعالى قبلة المسلمين ومثابة للناس وسماها البلد الأمين ( والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الامين ) .
عندما يقف الحاج أمام الكعبة فهو يشعر أنه واقف أمام رب الكعبة ، وهو المكان الذى إختاره ليكون رمزا للرسالة الدينية منذ عهد إبراهيم عليه السلام إلى خاتم النبيين .
والكعبة من علامات الله على وجه الارض .. تشاهد العيون المظلمة فيها تجليات الله وتنفجر عيون العبودية من الصدور فتلهج الألسن بذكر الله ( الا بذكر الله تطمئن القلوب )