فهرس الكتاب

الصفحة 12613 من 27345

تأملات تربوية في سورة الشعراء( 2 )

د.عثمان قدري مكانسي

وحديثنا هنا إن لم يكن كله عن موسى عليه السلام فجلّه عنه .. وأول ما نقف عليه:

1-تجسيد الفكرة وذلك بالعودة إلى زمان القصة ليعيش المتلقي في أجوائها ، ويتصوّرها أمامه ، وكأنه يراها . وأداة ُالانتقال الظرفُ الماضي المتحرك"إذ"الذي ينقلك إلى الحدث فتتصورُه أمامك بصرًا وسمعًا فإذا بك تسمع صوت الله تعالى من أعماق قلبك"وإذ نادى ربك موسى"فتصيخ السمع .. وأنت لا تملك إلا أن تسمع ، فهو الصوت الحق الذي يمتلك الوجودَ زمانَه ومكانَه ... كيف لا وهو خالق الزمان والمكان !!! والنداء الحق لا بد أن يطرُق شغاف قلوب المؤمنين ماذا يقول الله تعالى لموسى ؟

إنه يأمره أن:

2-يدعو الناس إلى تقوى الله عز وجل ، فالتقوى مِلاك الحياة وسبيل السالكين إلى مرضاة رب العالمين وعلى المرء السويّ أن ينحو في دعوته إلى تحقيق هدفين اثنين

أولهما أن يدعو نفسه التي بين جنبيه إلى البعد عن الهوى وسبل الغواية .

وثانيهما أن يدعو الآخرين إلى ما اعتقده من الحق ليحيَوا نقاء الحياة التي يحياها ، وليكونوا عونه في نشر دعوته التي ارتضاها .

وعلى الدعاة أن يكونوا بين الناس ، وفي حقل الدعوة ، وما أفلح داعية يطل على المدعويين من برجه العاجي ! وكيف يصل إلى قلوبهم فينتزعُها من وهدة الضلال وينتشلها من حفر الفساد إذا لم يكن بينهم يقاسمهم هموم حياتهم ؟!.. ومن هنا نفهم قوله تعالى"أن ائت القوم ..."فلا غرو أن الاندماج في الوسط الذي ندعوه أول طريق النجاح .... وقد يسأل سائل: فأين التمايز ؟ وأين المفاصلة ؟ فالجواب: إنهما في القلب ففيه يتجذر الإيمان ، وفي التصرف الذي يدل على صدق التوجه في الدعوة . وهذا كان دأبَ الأنبياء والمصلحين .

3-معرفة الهدف: فمن هم هؤلاء الذين على موسى أن يدعوهم ؟ وما صفاتهم ؟

إنهم"... القومَ الظالمين .. قومَ فرعون ..."وتصور معي أخي الحبيب أنهم لفسادهم وشدة كفرهم ذُكِر وصفهم قبل التعريف بهم فعرّفهم بالظلم قبل البوح بهم ليتعرف شِرّتهم فيعدّ العُدّة للتعامل معهم ، وليطلب من البراهين والأدلة ما يعينه عليهم ، وهنا نقول - كما ذكرنا مرارًا - لا بد من التعريف بالهدف ليكون الأمر واضحًا لا لبس فيه ، وليتخذ المنفذ له كل احتياطاته ، ويستعدَّ للقيام به على أكمل وجه . والقرآن بهذا يعلمنا أن على المسؤول أن يكشف الهدف تمامًا ، ويقدم الوسائل المعينة على إدائه على الوجه الأفضل ، كما أن على المنفّذ أن يطلب ما يراه مناسبًا لنجاح المهمة .

وقد عرفنا الهدف: قوم فرعون . فما المهمة ؟ إنها التقوى"ألا يتقون ؟!..."إن التقوى سبيل الحياة الطيبة ، ومدعاة إلى مرضاة المولى سبحانه .. وعودة إلى عشرات الآيات في القرآن الكريم توضح ثمرات التقوى .. الرحمة ، الغفران ، الفلاح ، الرزق ، النجاة من المهالك وقد جاءت التقوى أمرًا ونصيحة مشوبين بأسلوب التهديد والوعيد ، وهذا الأسلوب أمضى من الأمر والنصيحة متفرقَين .

4-التوثّقُ للأمر:5- والاستعانة بالموثوقين: موسى عليه السلام بشر:

-يخاف:"قال ربِّ إني أخاف أن يكذّبون".

-يضيق صدره:"ويضيق صدري ..".

-يتلعثم في الحديث:"ولا ينطلق لساني ...".

فيطلب أخاه هارون ليكون معه يؤازره ويعينه في دعوته فهو يثق به ، ومن التوثيق للأمر أن يكون الصاحب أمينًا موثوقًا . وهو يعرف أخاه معرفة تامة فطلب إشراكه في مهمته:"فأرسل إلى هارون".

فهارون تتوافر في الفصاحة ، وسيتولى عنه توضيح الفكرة -إن ضعف - ودخولهما معًا على فرعون يخفف من وطأة الموقف ، ويخفف من الحرج وضيق الصدر ، وما ينتج عنهما .

ولا ننسَ أن الخوف يؤدي إلى ضيق الصدر ..كذلك يفعل التكذيب .. وضيق الصدر يؤدي إلى ضعف البيان وتهاوي الحجة ، واستهزاء المدعويين به ....

-يخاف من القِصاص ، فقد قتل القبطي:"ولهم عليّ"

ذنب ، فأخاف أن يقتلون..."."

قد يستغل فرعون مقتل القبطي والرغبةَ في القصاص - لا للقصاص ففرعون يقتل وقت ما يشاء دون رادع أو سبب- ويرى الفرصة مناسبة لوأد كلمة الحق ، فيقتلُ الرسولَ موسى عليه السلام .. إذًا كيف يدخل عرين الأسد برجليه ؟ ويمكّنه من نفسه، وهو الذي هرب منذ سنوات طويلة خوف القِصاص ؟صحيحٌ أنه عليه السلام تاب لفعلة لم يكن يقصِدها فتاب الله عليه واجتباه ...لكن فرعون سيقتله ليتخلص من دعوته .

6-تلبية المطالب المنطقية: مادامت المهمة صعبة لا يقوم بها إلا المخلَصون الذين اُعدّوا لها ، والله تعالى أعدّ موسى لها فرباه في رعايته"ولتُصنعَ على عيني"أجاب الله تعالى مطالبَ موسى ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت