فهرس الكتاب

الصفحة 10184 من 27345

المؤذن رواية .. الحلقة 1) ...

القاص: عمر مناصرية

الذين يقتربون منه، يحسون بذلك الوهج الذي يخرج من تحت قميصه الأبيض الخفيف كدفء خالص احتفظ به وقتا طويلا، حتى يصل إليهم في هذه اللحظة، ويريهم إياه، كأب حقيقي رغم أنه لم يبلغ بعد الثلاثين.. كان منحنيا إلى الأمام ليضع أحماله الصغيرة التي لا تمثل إلا متاعا قليلا، وقد أحاط به الرجال والشيوخ والأطفال في ترحيب كبير، وسمع بعضهم في الخلف ينادي: - لقد وصل.. لقد وصل!

كان وجهه وهو يرفعه أمامهم أبيض ناصعا، تغزوه من حين إلى حين حمرة خفيفة، سرعان ما تختفي. وكانت عيناه جليلتين، مثل عيني شيخ بلغ الحكمة، بينما بشرته لينة، تكاد لفرط نظارتها أن تخفي من الوجه كل المعالم.

دنا الجميع منه مرحبين، الشيوخ الذين يرتدون البرانس البيضاء رغم أن الوقت صيف، والأطفال الذين ارتدوا قمصانا ممزقة وعلى وجوههم أوساخ، والرجال وحتى الخرفان.. وراحوا يصافحونه باحترام، وقد حرص الرجال أن يحولوا بينه وبين الأطفال، ولكنه سرعان ما أخرج حلوى لذيذة وراح يوزعها عليهم، ممتنا شاكرا، فيفر الأطفال إلى ذويهم وقد ازدادوا فرحا على فرح. ثم إنه التفت إلى الجميع، وقال:

-وكيف حالكم في هذه الأرض..

ناظرا حوله إلى مساحات عارية، تقطعها خضرة قليلة وأشجار لا تكاد تظهر، بينما اصطفت بيوتات الطين أمام الشمس، كأنها تنتظر منها شيئا لايقدر بثمن . وأجابوه بأصوات متداخلة:

-بخير.. الحمد لله.

ثم أفسحوا له طريقا كأنما يدعونه.. فقد كان في نهايتها شجرة تين قديمة، وتحتها حصير يبدو من لونه أنه جديد، فقال:

-تفضلوا.. أنتم أهل الديار.

ولكنهم لم يسيروا حتى رأوه يسير، محفوفا بهم وبالشيوخ الذين رأوا أنهم الأولى به.. كان قده طويلا عنهم كفاية ليراهم جميعا حوله، خاصة عنقه الذي يظهر جليا، فيبدو أنه لم يستوي على ذلك القدر إلا ليؤذن.. سار إلى الحصير، ثم قدمه شيخ من الشيوخ له لحية بيضاء ليجلس إلى جذع الشجرة، فلما أبى ذلك، قال له:

-تفضل يا شيخ.. تفضل..

ثم راح يقسم عليه أن يجلس حيث أمره، حتى أذعن له وجلس راضيا.. وسرعان ما أحاطوا به، ثم جاء فتى يضع على رأسه قلنسوة بصحن تمر وإناء لبن. ووضعه أمامه، وهو ينظر إليه بعينين نهمتين. وقال له شيخ آخر:

-تفضل.. تفضل.. كل..

فرفع يديه معا، وقال:

-لن آكل حتى تأكلوا معي..

فنظر أولئك الشيوخ إلى بعضهم كأنما يستغربون منه مثل هذا الكلام. كان يبدو لهم مهيبا، ولكن ها هو يسقط ما بنوه عنه في أذهانهم كل هذه الأعوام ، حتى إن كلامه بيدو مثل كلامهم، ورغم ذلك لم يستسلموا له ، فأردف:

-لا تستغربوا.. إنما أنا رجل مثلكم..

فنظروا إلى بعضهم ثانية. ثم أقسم عليه رجل أن يأكل.. فتناول ثلاث تمرات أو أربع وشربة لبن ووضع الإناء، وهم ينظرون إليه. ثم قال:

-الحمد لله.. جزاكم الله خيرا..

فاستغربوا مرة أخرى.. فقال آخر:

-كل يا شيخ.. تفضل..

فقال: - الحمد لله..

وراحوا يتهامسون:

-إنه لم يأكل شيئا.. لا بد أن التمر لم يعجبه.. واللبن، لا بد أنه فاسد.

وسرعان ما قام رجل ونادى الفتى الذي أحضر الطعام، فلما حضر الفتى، صرخ الرجل فيه:

-من أين جئت بهذا..؟

تردد الفتى وهو ينظر إلى المؤذن، ثم قال:

-من بيت عمي صالح..

كان الشيخ الصالح بينهم، فلذلك راح يتمايل ذات اليمين وذات الشمال ليتوارى عن القوم. ولكن المؤذن قال:

-لا بأس، إنه طيب، واللبن كذلك. ولكن هذه عوائدي، لا آكل إلا قليلا..

نظر إليه الشيخ الصالح شاكرا، فصمت القوم. وطال صمتهم، حتى قال رجل:

-قرب وقت الظهر.

فقال المؤذن:

-ليس بعد.. بقي وقت يسير..

كان يعرف وقت الصلاة إذا حضرت بلا واسطة، يعرفه حدسا، أو إحساسا قويا ينبئه، إحساس راح ينمو مع الزمن حتى استوى على ذلك القدر، وفي السابق لم يكن قويا إلى هذا الحد، ولكنه ذات عام، راح يسمعه، كحديث أو شيء من هذا القبيل، يوقظه من حياة الناس من حوله، ويريه وقت الصلاة، ولذلك، لما حضر الوقت، قام دون إذن، وراح يسير إلى مكان عاري بين المنازل، وأولئك القوم يتبعونه، حتى إذا توقف إلى صخرة، نزع حذاءيه واعتلاها وراح يؤذن.. وسرعان ما حجب صوته أعينهم، فرفعوا بلا شعور إليه رؤوسهم، ولفهم إحساسه الهائل.فغروا أفواههم لما لم يكونوا قد سمعوه من قبل وأحسوا بأنفسهم يحلقون . ولما استيقظوا بعد مدة لم يجرءوا على الحراك حتى دعاهم إلى الصلاة .. كان قد نزل واتجه إلى مساحة واسعة، وصلي ركعتين.. فذهبوا وتوضئوا، ثم جاءوا وراحوا يصلون، ونظر خلفه، فوجد الفتى الذي أحضر له تمرا قد اندس عنوة في الصف الأول، فقال له:

-أقم الصلاة.

ولكن الفتى لم يعرف ما يقول. شعر بالخجل، فاستأذن منه شيخ ليقيم الصلاة فأذن له. فلما كبر ساد القرية صمت كبير.. سكت كل شيء، سكت النباح والثغاء وأصوات الأطفال.. فلما سلم، التفت إليهم وراح يسبح.. ثم قام إلى الحصير حيث كان، وجلس، فجاء نفس الشيوخ والرجال، واستأذنوا منه ليتركوه يأخذ قليلولة. قال واحد منهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت