فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-نتركك ترتاح يا شيخ ..
أذن لهم وبقي وحيدا هناك، يطل عليه بين الحين والآخر أطفال وفتيان.. ثم حضر إليه الفتى، وقال:
-ألا تذهب إلى الغرفة أيها المؤذن. لقد أعدها لك عمي الصالح للقيلولة.
فقال له:
-ما اسمك؟
تردد الفتى لحظة، كان رقيق العود، طويل القد ، وعيناه عميقتين ،ثم أجاب:
-لحسن..
-إذن يا لحسن.. سأبقى هنا حتى المساء، وعندها سآتي إلى الغرفة..
فانصرف الفتى تاركا إياه، وعند العصر أذن أيضا، فأفاق السكان من القيلولة، وجاءوا للصلاة. ولما انتهت راح يعظهم ويعلمهم. فلما صلى بهم صلاة المغرب دعوه لعشاء أعده شيخ يدعى لمبارك.. أكل قليلا وراح يحدثهم عن أسفاره... حدثهم عن سفره بالقطار منذ ثلاثة أيام ومكوثه في مدينة يوما واحدا وركوبه حافلة تمر على طريق تبعد عن القرية نصف يوم.. ثم كف عن الحديث فجأة، وخرج كأنما لا يعرفهم حقا. اعتلى الصخرة وراح يؤذن..
كان صوته يخترق الظلام، مبتعدا حينا ومقبلا حينا آخر، وقد أحسوا أن الدور القصيرة التي يسكنونها قد استطالت كلها فجأة، ليحوز كل منها أكبر قدر من صوته.. حل هدوء في تلك الليلة. حل كما لم يحل في القرية مطلقا. فلما أنها الآذان، جلسوا جميعا وقد كانوا واقفين، وراحوا يسبحون أو يصلون.. كانت الساحة الضيقة قد فرشت فبل العصر بسرعة، وكانت النسوة قد تنافسن في إخراج حنابلهن وزرابيهن التي تفنن في نسجها، وكانت كل واحدة تتمنى حقا أن تكون زربيتها هي من سيقف عليها المؤذن للصلاة
المؤذن (الحلقة 2)
بقلم: عمر مناصرية
صلى العشاء بهم ثم دعوه إلى غرفة، وأحضر له الفتى مصباحا ودخل به وهو يتقدمه.. وقال والناس ينصرفون:
-تفضل يا شيخ.. تفضل.. هذه غرفتك.
فقال بمرح:
-لليلة واحدة فقط..
فنكس الشاب رأسه، وقال بهمس:
-ليلة واحدة؟!
فأجابه، ولم يكن يتوقع أن يجيبه:
-نعم.. سأرحل عند الفجر.
فقال الفتى ، وهو حريص أن ينظر من نافذة ضيقة ليرى إن كان الشيوخ قد انصرفوا:
-هل ستؤذن للفجر؟
-بالطبع يا فتى .. سأؤذن. لذلك حضرت إلى هنا..
تفاجأ الفتى لتلك الكلمة وأحس نحوه بشيء غامض، ثم قال:
-هل لي.. بطلب؟
كان منكس الرأس، غير قادر على رفعه، فقال المؤذن:
-نعم.. لا تخجل.. قل.
-هل لي بالبقاء معك هنا.. في هذه الغرفة..
ثم استدرك:
-أريد أن تعلمني.. تعلمني.. الإقامة..
ثم استدرك مرة أخرى:
-أعني إقامة الصلاة.
كان يتحدث بصوت خافت خجل . فتقدم المؤذن منه وربت على كتفه، ثم أجابه:
-ألم تحفظها بعد..
-بلى، ولكنني أريد أن أقولها بطريقة جميلة، كطريقتك أنت..
فربت عليه مرة أخرى، وقال:
-حسنا.. هيا لنبدأ إذن..
وراح يلقنه الإقامة بلا إبطاء ويعيدها عليه مرارا حتى حفظها عنه..لم يعرف الفتى أنه واضح إلى هذا الحد وصريح أيضا، كأنه ليس بالذي يرتاد صوته الآفاق.كأنه يتواضع عمدا ليخفي بداخله شيئا أعظم. ثم طلب منه أن يؤدي ذلك فراح يتلعثم ويتعثر، ولما رأى المؤذن إصراره، قال:
-ألا تتعلم الآذان أيضا؟
تعجب الفتى منه، فذلك ما لم يكن يجرؤ على التفكير فيه.. والآن يطلب منه أن يتعلمه.. قال بحيرة:
-هل أستطيع..؟
فأجابه فورا:
-تستطيع.. كل واحد يستطيع ، ولكن القلة فقط هم من يحسن ذلك..
وراح يعلمه الآذان، وبين الحين والآخر، يطلب منه أن يعيده عليه، أو يعطيه نصيحة لتحسين صوته، أو رفعه.. أو خفضه، ثم قال:
-هذه الأمور تتعلمها مع الزمن، إنها تنمو بالخبرة. أما ما يهم، فهو أن لك صوتا..أعني إحساسا. ما يهم في كل شيء هو الإحساس الذي تتركه في الآخرين ...أفهمت؟!
فأجاب الفتى غير مصدق، ناسيا كل ما تعلمه:
-حقا؟َ!
-نعم.. صوتك له إحساس، وقد اكتشفت ذلك فيك..
ازداد الفتى حيرة، ثم قال:
-أحقا.. أحقا ما تقول؟
لم يستوعب بعد ذلك، ولكنه راح يستمر في ترديد الآذان، مقلدا المؤذن في حركات صوته..في إيماءاته ونظره الطويل إلى السماء . استمر على ذلك حتى منتصف الليل، ثم قال المؤذن:
-هل تحس بشيء؟!
فقال الفتى:- نعم . أحس كأنني .. كأنني ..كبرت.
-لا بأس ، ذلك ما يحدث فعلا ..
ثم أضاف:
-يجب أن ننام الآن .
ناما قليلا ، ثم لما اقترب الفجر أفاق المؤذن وأيقظ الفتى وقال له وهو لم يفتح بعد عينيه بشكل كامل:
-أعد نفسك.. لقد قرب الفجر .
لم يفهم الفتى شيئا ، فالتفت المؤذن إليه وهو يهم بالخروج لقضاء حاجة وأضاف:
-سأختبرك .
خاف الفتى كثيرا، وانتفض من فراشه، ثم قفز إلى الزاوية وجعل ينظر حواليه . ولما دخل المؤذن صب إناء ماء وخرج ليتوضأ .. ثم عاد وطلب منه أن يتوضأ هو أيضا ، قائلا:
-أعد نفسك .
ثم أخذه إلى الصخرة، وقال:
-اصعد..
فقال الفتى:
-أنا..؟!
-نعم.. أنت..
كان يبدو له ذلك غريبا، ولكن المؤذن أكد له:
-اصعد ولا تضيع وقتك.. لقد حان موعد الآذان..
صعد الفتى على الصخرة، ثم نظر إلى المنازل المظلمة، ثم جعل ينظر إلي المؤذن خائفا، فقال:
-الآن.. ابدأ..