فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فانطلق صوت الفتى عاليا، يرتج ويتعثر. ولكن المؤذن أومأ له بجدية أن يستمر، فاستمر، ثم بعد حين جعل يستقر على لحن، ثم أصبح لينا، والمؤذن يومئ له بالاستمرار وينظر بين الحين والآخر إلى المنازل.. ولما أنهى الفتى آذانه ونزل من الصخرة بسرعة، كان قد استيقظ ثلاثة رجال لا غير، فقال المؤذن بفرح:
-نجحت.. أنظر..
نظر الفتى إلى الثلاثة الذين جعلوا يقتربون، ثم قال:
-أهذا هو الاختبار؟!
فقال:
-نعم.. لقد استطعت أن توقظ ثلاثة منهم، وأنا لهذا أجيزك.. للأذان..
دنا الثلاثة منهما، وقال واحد منهم:
-من المؤذن يا شيخ؟
فأشار إلى الفتى، فتعجبوا له.. وقال آخر منهم:
-خيل إلي أنك أنت من أذن.
فقال المؤذن:
-يجب أن يكون لقريتكم مؤذن..
فأومئوا بصمت أن نعم.. ثم مضوا يتوضئون.. وعند الأذان الثاني قال المؤذن للفتى:
-راقبني..
ثم ارتقى الصخرة وراح يؤذن، وأولئك السكان يخرجون من بيوتهم واحدا إثر آخر، يستيقظون على غير وعي منهم ويأتون إليه مذعنين ، حتى الأطفال جاءوا إليه.. تعجب الفتى من ذلك، وظن أنه في أول الطريق، وعند الصلاة، قال له:
-أقم الصلاة.
فراح يقيمها على نحو فريد، حتى أن الناس لم يتعرفوا عليه، وكانوا يتساءلون:
-من الفتى..؟ أهو من القرية..؟ من هو..؟!
ولكنهم كفوا عن ذلك لما سمعوا التكبير، فراحوا يصلون الصبح.
كانت قراءة المؤذن مثل آذانه.. قراءة بترتيل بسيط ولكنه يشد الآذان ، فلما انتهت الصلاة عاد الناس يتساءلون عن الذي أقام الصلاة، فوقف المؤذن وطلب من الفتى أن ينهض، ولما رأوه تعجبوا له.. وقال:
-ليؤذن لكم لصلاتكم، وليؤمكم الشيخ مبارك، فهو أحفظكم لكتاب الله..
وقبل الشروق ودعهم.. اصطحبوه إلى تلة وودعوه.. ثم انصرفوا جميعا عائدين ، إلا الفتى ، فقد لبث ينظر إليه وهو يهبط التلة هادئا، تتقدمه عصاه وعلى ظهره متاع وطعام حرص الناس على أن يأخذه منهم هدية.. هبط سفلا، ثم سار على أرض مستوية، ثم اختفى.
المؤذن (الحلقة 3)
بقلم: عمر مناصرية
عاد الفتى إلى القرية، وجلس إلى جدار دافنا رأسه بين ركبتيه.. أصغى لأصوات القرية التي استيقظت وشعر بالحزن.. ثم لما اقترب وقت الظهيرة مسح دموعه.دخل الغرفة التي نام فيها بالأمس مع المؤذن فلم يصدق نفسه. بدا له ذلك خرافة أو شيئا بعيدا، فجعل يردد الآذان بهمس كأنما ليتأكد.
استغرب، ثم خرج وسار إلى الصخرة بخطوات واثقة. نظر إلى السماء الصافية ثم إلى ظله، ولما تأكد له أن الوقت هو الظهر، نزع نعليه وارتقى الصخرة وراح يؤذن مثلما علمه المؤذن.. فخرج الناس إليه وراحوا ينظرون. وجاء شيخ رافعا طرفا برنسه قليلا عن الأرض، ودخل المصلى وجلس على حصيره. فلما أنهى الفتى آذانه ونزل من الصخرة، دنا من الشيخ وقاما يصليان.. وجاء أناس إليهما واصطفوا صفوفا قصيرة، وجعلوا يصلون التحية صامتين ساكنين ووجوههم تقطر ماء.. وأقام الفتى الصلاة، ثم كبر الشيخ وراحوا يصلون..
لم يكونوا قد فعلوا ذلك من قبل، فهم بالكاد يجتمعون، ولكن المؤذن لما حضر واستطاعوا أن يروه، بث فيهم حياة.. ثم مضى..
جعلوا يقيمون الصلاة كل يوم، واقترحوا أن يبنوا حول الساحة جدرانا، وفي الشتاء شيدوا سقفا اتقاء للمطر، فتحول ذلك مسجدا صغيرا، جعل يبث الحياة في القرية. أما الفتى فقد تحسن أداؤه، وأصبح قادرا على أن يوقظ أناساكثرا من النوم. وبنى بنفسه درجا يصل إلى سقف المسجد، راح يصعد إليه ويؤذن. وشعر أن له هدفا جديدا يعيش لأجله. وأن نداءه عما قريب، سيصل أسماع المؤذن، وعندئذ سيرد عليه..
سار بنفس الخطوات السريعة.. الطرق المتشعبة يحفظها عن ظهر قلب.. من أين جاء؟من أين انطلق كسهم وراح يخترق كل شيء، ولماذا يفعل ذلك..؟
سار طويلا كعادته.. دخل قرية صغيرة وأذن، ومكث ليلة هناك، ثم أذن للفجر وانصرف..
في كل قرية كان يتوقف، يؤذن ويعلم الناس الوضوء والصلاة ويرحل. والذين لا يعرفونه، كان يدخل إليهم بفرحة، يضع أغراضه جانبا وينتظر وقت الصلاة، فإذا أذن فيهم استجابوا بسرعة، وجاءوا للصلاة. أحيانا كان يدخل قرى لا تعلم شيئا.. قرى تفشى فيها الجهل وضرب أطنابه، ولكنه رغم ذلك، كان يؤذن، ويلبث فيها يومين أو ثلاثا يعلمهم..
كان الناس يعيشون تحت احتلال الفرنسيين، وكانوا بالكاد يعرفون شيئا من دينهم أو لغتهم، ولذلك كان يؤذن، يتنقل بين القرى والمدن ويؤذن، وكلما فعل ذلك أحس كأن الناس على وشك أن يتذكروا..وصوته المدهش كان يساعده، وإذا أطلقه اخترق الحجب بسرعة ومزق الأغطية عن العقول وشقها بقوة.. حفر فيها كالمطر وتغلغل إلى الجذور. ولذلك كان الناس يندهشون.. يتفاجأون وتصير أذهانهم صافية، وكل منهم يعجب لشيء فيه. بعضهم تأسره نبرته الرقيقة الدافئة، وبعضهم يأسره النداء واستطالاته، والبعض يحبه كله..