فهرس الكتاب

الصفحة 12111 من 27345

الجيلي حامد*

الحالة الانهزامية التي تعيشها أمتنا حدت بها إلى تقليد الغرب في كل كبيرة وصغيرة، والانبهار إلى درجة الدهشة بمنتجات الدول الأوربية كيفما كانت؛ حتى وصلنا إلى الحد الذي لا نستطيع معه التميز بين الغث والثمين، والسليم والسقيم؛ مما هو وافد من تلك الدول؛ من مأكولات ومشروبات، أو ملبوسات، أو حتى عقائد وأفكار.

يحكي أن سودانيا كان يعمل تاجرا في إحدى دول الخليج، وفي مرة كسد عنده سوق البصل فاقترح عليه سوداني آخر أن يجعل البصل في شيكارات أمريكية؛ ففعل؛ فتسابق الناس إلى البصل السوداني؛ لأنه بغلاف أمريكي.

في هذه القصة وقفة وعبرة لأصحاب المصانع المنتجة بتحسين الغلاف، وتكثيف الدعاية على طريقة تؤيد ذوق المستهلك المحلي، وتحترم عقليته في الاختيار؛ خصوصا في هذا الزمن الذي بدأت فيه العقول تسترد بعض عافيتها؛ لتميز بين الأشياء، وتقدر مستوي الجودة، والقيمة الغذائية، والفائدة الذهنية، والمنفعة الآنية، والمستقبلية؛ دون النظر إلى كلمة صنع في.

من الطرائف أن علب ساردين استوردت من إحدى دول أوربا كان مكتوبا عليها ذبح على الطريقة الإسلامية..

فعليه فيجب أن نشجع المنتج المحلي المدرك لخصائص المجتمع، ونطالب القائمين عليه بتجريد النظرة من المنفعة الذاتية المحضة، بل عليهم أن يسعوا لكسب ثقة المستهلك، وألاَّ يضربوا مثلًا سيئًا؛ يشكك في مصداقية المنتج المحلي.. ونحن في ظل هذه الأحداث التي تدعو للانعتاق نأمن على مسؤولية الجميع في القيام بهذه المهمة الصعبة التي لا بد لها من تضحية من كل الأطراف؛ بمعني أوضح لا يستغل المنتج إقبال المستهلك؛ فيقلل من الجودة؛ ويزيد في الثمن، وكذلك المستهلك بأن يعطي السلعة أو الفكرة حقها بقدر ما تحتويه من فائدة، ولا يقلل من ثمنها؛ لأنها محلية.

خدعنا كثيرًا ببريق الغلاف؛ لدرجة أننا صدقنا شعار السوبرمان الذي أطلقه الإنسان الغربي على نفسه؛ زاعمًا أنه سيخلص البشرية من عذاباتها، وينقلها إلى مستوىً عالٍ من الرفاهية، وأن هذا الذي يخاطبنا عبر الشاشات وعليه أجمل الثياب العاكسة لأضواء الكاميرات هو إنسان آخر، متحضر، كله بطولة، وكله شهامة، ورحمة؛ فصار عندنا نجما نقلده بلا حدود.. حتى إن لاعب كرة القدم البرازيلي (رونالدو) كمثال عندما ظهر للناس بحلاقته القبيحة - والتي تخلى هو نفسه عنها - أصبح يقلده فيها بعض شباب المسلمين؛ راضين بالقزع، والقبح، والمخالفة الشرعية..

وكثيرون هم الذين شكلهم داعي الإعجاب، وصهرهم موقد الانبهار؛ فصاروا نسخا غير أصلية للممثلين والممثلات، والخائنين لأوطانهم والخائنات، والممجدين الغرب كثيرا والممجدات، والزاعمين التقدم، والداعين للتحرر من كافة القيود؛ انطلاقا إلى دنيا الإباحية، وعالم الانحلال؛ لأن ذلك هو اختيار السوبرمان الغلاف؛ الذي أخرج على مستوىً من الجمال.

إن البريق الذي سطع في أعيننا تأثرنا به في كافة الأصعدة؛ فأصبح له انعكاسات في واقعنا؛ مثل ظهور الشيوعية، والعلمانية، والتمثيل، والغناء، وكرة القدم، وصنوف من الأطعمة، والمشروبات، والمخدرات.. نحن في غنى عنها لو عقلنا؛ وجعلنا أمام كل عمل سؤال (لماذا أعمل؟، وماهي الفائدة؟) .

لو تخلصنا من القمامات المتراكمة، وهذه الأفكار المترهلة؛ وعدنا للمنهج الذي اخترناه عن قناعة؛ بلا قهر أو ضغوط دعائية؛ وأيدنا قيام الدولة الإسلامية الكبرى، وفكرة السوق المشتركة لكان التكامل الاقتصادي؛ الذي لا ثغرة فيه، ولا فجوة تحتاج إلى سدّ؛ وبعد هذا اطرح هذا السؤال (هل سوف نكون في حاجة للاستيراد؟) ؛ الإجابة متروكة للقارئ الكريم في أي مكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت