محمد توم حامد علي*
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد فإن الإخلاص في اللغة: النجاة، يُقال: خلص الشيء: إذا نجا وسلم من كل نَشَبٍ، والمخلص الذي وحَّد الله تعالى خالصًا؛ ولذلك قيل لسورة (قل هو الله أحد) : سورة الإخلاص؛ لأن المتحقق بها قد أخلصَ التوحيدَ لله عز وجل.
كما يأتي الإخلاصُ بمعنى الاختصاص، فيُقال: استخلص الشيء لنفسِه: أي اختصَّ نفسَه به، فكذلك إخلاص العمل لله: أن تخصَّ به اللهَ دون غيره.
أما في الاصطلاح، فقد ذكر العلماءُ معانيَ كثيرةً للإخلاص، لكنَّ أكثرَها شمولًا هو قولُ أبي محمد سهل بن عبد الله التستري:"نظَرَ الأكياسُ، فلم يجدوا غيرَ هذا: أن تكون حركاتُه وسكناتُه في سرِّه وعلانيتِه لله تعالى وحدَه لا يُمازجه شيءٌ: لا هوى ولا نفسٌ ولا دنيا".
فالإخلاصُ من أعظم الصفات التي يتصف بها المسلم، قال تعالى: (ومن أحسنُ قولًا ممن أسلمَ وجهَه لله وهو مُحسنٌ) [النساء 125] . فإسلام الوجه: إخلاصُ القصد والعمل لله، والإحسانُ فيه: متابعةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنته، قال تعالى: (الذي خلق الموتَ والحياةَ ليبلوَكم أيكم أحسنُ عملًا) [الملك 2] ، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: هو أخلصُه وأصوبُه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصُه وأصوبُه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكنْ صوابًا لم يُقبَلْ؛ حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالصُ أن يكون لله، والصوابُ: أن يكون على السنة. قال الله عز وجل: (فمن كان يرجو لقاءَ ربِّه فليعملْ عملًا صالحًا ولا يُشركْ بعبادةِ ربِّه أحدًا) [الكهف 110] ، وقال تعالى: (قل إنَّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أولُ المسلمين) [الأنعام 162-163] .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ أئمة المسلمين، ولزومُ جماعتِهم؛ فإنَّ دعوتَهم تُحيط مَن وراءهم) [رواه الترمذي وأحمد] . والمعنى أنَّ القلبَ لا يحمل الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاث؛ فإنها تنفي الغِل والغش وفساد القلب وسخائمه. فإخلاصُ المسلم يمنع غلَّ قلبِه، ويُخرجه ويُزيله جملةً؛ لأنه قد انصرفتْ دواعي قلبِه وإرادته إلى مرضاةِ ربِّه؛ فلم يبقَ فيه موضعٌ للغل والغش. فينبغي لكل مسلمٍِ أن يخلصَ عملَه لله عز وجل، وأن يسأل الله أن يمنَّ عليه بهذه الصفة الحميدة وهذه الخصلة العظيمة؛ فقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله: تركُ العملِ لأجلِ الناسِ رياءٌ، والعمل لأجل الناسِ شرك.
قال الحافظ ابنُ حجر: المرء يؤجر بنيتِه كما يؤجر العامل؛ فسَلِ اللهَ الإخلاص وتجنب الرياء، قال علي بن الحسين: إني لأستحيي من الله أن أرى الأخَ من إخواني؛ فأسأل الله له الجنةَ وأبخل عليه بالدنيا؛ فإذا كان غدا قيل لي: لو كانت الدنيا بيدك كنتَ بها أبخلَ وأبخل. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسِّن في لوائحِ العيون علانيتي، وتُقبِّح في خفياتِ العيون سريرتي؛ اللهم كما أسأتُ فأحسنتَ إليَّ؛ فإذا عدتُ فعدْ عليَّ.