فهرس الكتاب

الصفحة 13287 من 27345

د. محمد بن عبد الله القناص 1/8/1425

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:

فإن من الظواهر الملفتة للانتباه في واقعنا تعلق كثير من الناس بالرؤى والمنامات، واعتمادهم عليها، وتوسعهم فيها حيث أصبحت شغلهم الشاغل، عبر المجالس والمنتديات والمجامع، بل والقنوات الفضائية، وطغت على الفتاوى الشرعية، وأصبح السؤال عنها يفوق السؤال عما يحتاج إليه الإنسان من أمور دينه، من المعتقدات والعبادات والمعاملات وغيرها، وابتعدوا في تعاملهم مع الرؤى والمنامات عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأضاعوا أوقاتهم في ما لا يعود عليهم بالخير والنفع، ولو أن الناس وقفوا تجاه الرؤى وتعاملوا معها، وفق الهدي النبوي لاستراحوا وأراحوا، وحصل لهم التوفيق والسداد والطمأنينة، ولم يوجد هذا التهافت في السؤال عنها، والإفراط في البحث عن تأوليها، ولأجل أن نقف موقفًا صحيحًا سليمًا معتدلًا تجاه هذه الرؤى المتكاثرة، فلابد من الرجوع إلى الآداب السامية، والتوجيهات النبوية التي فيها العصمة من الزلل والخطأ، والوقاية من الإفراط والتفريط ..

لقد دلت السنة المطهرة أن الرؤى تتنوع إلى ثلاثة أنواع، وأن هناك جملة من الآداب ينبغي أن يأخذ بها الرائي، وإليك بيان ذلك:

أولًا: أنواع الرؤى:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ، وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ " [ أخرجه مسلم ح ( 2263 ) ، والترمذي ح ( 2196 ) ، وقال: حديث حسن صحيح ] الحديث عند البخاري أيضًا (7017) .

ففي هذا الحديث بيان تنوع ما يراه النائم في منامه إلى ثلاثة أنواع، النوع الأول: الرؤيا الصالحة أو الصادقة، وهي التي تكون مبشرة أو منذرة، وقد تكون واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى تعبير كما رأى إبراهيم أنه يذبح ابنه في المنام، وقد تكون خافية تحتاج إلى عابر يعبرها، كرؤيا صاحبي السجن مع يوسف، ورؤيا ملك مصر، والنوع الثاني: رؤيا تحزين من الشيطان، وهي ما يدخل تحت أضغاث الأحلام، مثل أن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده، ونحو ذلك .

فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ، فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" [ أخرجه ابن ماجه ح ( 3897 ) ]

وقال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-:"الرؤيا ثلاثة: حضور الشيطان, والرجل يحدث نفسه بالنهار فيراه بالليل, والرؤيا التي هي الرؤيا" [أخرجه ابن أبي شيبة (6/181) ] .

وأخرج مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه- قال: جاء أَعْرَابِيٍّ إلى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فَأَنَا أَتَّبِعُهُ فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ"، وفي رواية له:"إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ" [ أخرجه مسلم ح (2268) ] "

النوع الثالث: حديث النفس، وهو أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام، كمن يكون مشغولًا بسفر أو تجارة أو نحو ذلك، فينام فيرى في منامه ما كان يفكر فيه في يقظته .

وهذا التقسيم يدل على أنه ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون رؤيا صادقة تحتاج إلى تعبير، بل منها حديث النفس، ومنها أضغاث أحلام، وهذان النوعان هما الغالب على حال الكثيرين، والله أعلم، ومن هنا ندرك خطأ من يسارع إلى طلب تعبير كل ما يراه في منامه، وخطأ أيضًا من يتصدر للتعبير، فيقدم على تعبير كل ما يسمعه، ولو أن الناس استحضروا ذلك لما حصل هذا التكالب على طلب تعبير الرؤى والمنامات، والحرص الشديد على تأويلها .

ثانيًا: الآداب المشروعة إذا رأى الإنسان في منامه ما يكره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت