فهرس الكتاب

الصفحة 20643 من 27345

تدور في نفوس شبابنا وفي أذهانهم وعلى ألسنتهم كلمات حائرة وتساؤلات مستقيمة، عن كثير مما يقرأن في كتابات مترجمة تملأ الأسواق والمكتبات جاءت من بلادها وتعرضت لقضايا أممها، ولكنها في نطاق الرواية أنما تمثل فكرًا عالميًا يستوحي النفس الإنسانية ويستعرض مشاعرها فإلى أي حد يستطيع هذا الفكر أن يطابق النفس العربية المسلمة، قبولًا أو رفضًا، وكيف يجد هذا الشباب السبيل وعقائدها ومشاعرها عما يراه في مجتمعه ويعيشه في حياته. إن هذه الكلمات أحيانًا تدير الرؤوس وتلهب العواطف، وتدفع إلى غايات وأهواء وتصور الحياة بصورة قلقة وهي تلقى مع الشباب المسلم العربي في مطالع العمر، وفي سن المراهقة ووسط أجواء حافلة بالصورة العارية والقصة المكشوفة، والفيلم الماجن، والمسرحية الصارخة، ومن خلال مجتمع مختلط فيه الملابس الكاشفة والصدور العارية، والكلمات الجريئة والزحام الشديد، والاختلاط الغريب وكل ما يقر أ أو يسمع يعين على الغواية ويدفع إلى التقليد ويجرئ على التجربة ومن وراء ذلك نتائج قاسية خطيرة.

إن هذا الشباب الريفي المليء بالحياء والخلق، قد جاء إلى المدينة ووقع على (كامي وسارتر وفرويد) ومن ورائهم عشرات الكتب والقصص ووجد من يروج لهذا كله ويعرضه فير فصول وكتابات وفي مسرحيات وشعر وقصص، وهو يريد أن يعرف: هل هذا كله يمثل أنفسنا، أليست النفس الإنسانية واحدة؟ هل نحن في حل من أن ننطلق وراء الغرب في دعوته إلى الانطلاق حيث لا توجد حدود توقف ولا أبواب تحول؟ ثم هو لا يلبث أن يجد الكاتب من صميم بلده ودينه، صورة طبق الأصل بل ربما أشد عنفًا من هذا الكاتب الغربي، فهذا الذي يفترض أن المجتمع كله قد دخل دائرة الرغبة واللذة، وأن هذه الظاهرة التي لا تعدو واحدا في المائة في مجتمعاتنا قد أصبحت تستوعب المجتمع كله، وأن الناس لا يلتقون إلا ليتحدثوا في هذا الأمر، بل أنهم ليسخرون من أولئك الذين ما زالوا مقيدين بقيود الدين والأخلاق!.

هذه هي القضية التي تتطلب إيضاحًا، وتسأل عن حل، وتتطلع إلى معرفة وجه الحقيقة. ومن الحق أنها قضية، بل هي معضلة من معضلات عصرنا وأزمة من أزمات المجتمع الإسلامي في العصر الحديث.

ولكن لكي نستطيع أن ننظر في الأمر علينا أن نعرف أبعاد القضية وخلفياتها وتاريخها، في العلاقة بين مجتمعنا الإسلامي العربي وبين مجتمع الغرب، وبين الظروف التي حكمت بأن يسيطر الغرب عن طريق الاستعمار على هذه الأرض فيعمل على فرض مفاهيمه وأفكاره ونظرياته في الاجتماع والأخلاق والنفس والتربية إيمانًا منه بأن هذه الأمة لا تقاد إلا من حيث تجرد أولًا من عقائدها ومفاهيمها وان تحتوي في دائرة فكر الغرب نفسه حتى يسلس قيادها وتكون تابعة راضية بتبعيتها.

ومن هنا كانت تلك الدعوة إلى وحدة الفكر البشري ووحدة الحضارة ووحدة النفس الإنسانية، ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر هذا كله، لقد كان ذلك صحيحًا ولكن بني البشر لم يقبلوا هذه الوحدة حين أنشأوا فكرًا بشريًا مختلفًا عن الفكر الرباني الذي هدتهم إليه الأديان ورسالات السماء. ومن هنا وقع الخلاف فقد ذهبت النفس الإنسانية وراء أهوائها وعمدت إلى الضوابط التي أقامتها الأديان بالحدود والأخلاق حماية للكيان الإنساني نفسه منى الانهيار، فحطمتها باسم التحرر من القيود. ثم حين ذهبت وراء مطامعها إلى التماس متع الحياة على النحو المسرف المندفع دون تقدير لحق الناس جميعًا في هذه المعطيات. ثم حادت عن فهم رسالة الإنسان في الحياة ومسئوليته والأمانة التي وكلت إليه، فأرادت أن ترى الحياة متعة خالصة تجرى وراءها، وأن الخطأ والفساد"جبرية"للمجتمع لا حساب للفرد عنها، وأنه ليس وراء هذه الحياة حياة وأن الموت بالمرصاد من وراء الحروب والذرة، فليندفع الناس إلى الحياة يقتحمون متعها قبل أن تزول.

ومن أجل أن تحقق النفس الإنسانية أهواءها فقد كان عليها أن تبرر ذلك بالعقل والفلسفة، فتقطع علاقتها الكاملة بالمسئولية فتنكر ما وراء الواقع المحسوس، وتعلن كما فعل"نيتشة""موت الإله وترى الدين (أفيون الشعوب) وتحتقر الأخلاق وتراها ضعفًا وذلة، وهكذا جاءت الفلسفة المادية لتحرر الإنسان من تبعته ومسئوليته وأمانته، ولتطلقه وراء لذاته وأهوائه ومطامعه: ومن هنا كانت فلسفة (الماركسية) وفلسفة الجنس (الفرويدية) وبينهما تعيش النفس الإنسانية، ومن هذه المفاهيم يصدر كامي وسارتر وعشرات من كتاب القصة والمسرحية والشعر."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت