فهرس الكتاب

الصفحة 13428 من 27345

تفسير سورة القمر

الجمعة 23 ذي القعدة 1397 / 4 تشرين الثاني 1977

( 4 من 4 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فهذه نهاية المطاف إن شاء الله تعالى مع سورة القمر نقف بها عند هذا الحد لنستقبل أحاديث أخرى فيما تبقى من سور المرحلة المكية التي حددنا بأنفسنا حدود النظر فيها ، وما تبقى من سورة القمر مما أردت أن أعرض له في نهاية المرحلة شيء أكبر وأخطر من أن نأتي عليه بحديث واحد قصير ، ولكن ما لا يدرك كله لا يُترك جله كما يقولون .

أحب في البداية أن ألفت أنظاركم إلى ما لفتنا النظر إليه في أول حديث لنا عن سورة القمر ، عن هذا التكرار لصيغة واحدة جاءت تعقيبًا على قصص الماضين ، كان منطق الحديث يقضي أن نتعرّض لشيء من الكلام لقصص الأقوام الذين ذُكروا في السورة ، وبالتتبع تبيّن أن السورة التي تلي سورة القمر وهي سورة ( ص ) تضمنت هذه القصص ، وأن السورة التي تلي سورة ( ص ) وهي سورة الأعراف تضمنت هذه القصص ولكن بتفصيل أكبر ، فرجوت إن شاء الله تعالى أن يسهّل الله لنا سبيل القول عن هذه السور حينما نبلغ في أحاديثنا سورة الأعراف ، لأن الحديث عنها هناك أليق .

الشيء الذي يلفت النظر في سورة القمر هو هذه اللازمة التي تكررت أربع مرات تعقيبًا على قصص الماضين ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) وكأنموذج لذلك نأخذ أول قصة لنتعرّف على جو التعقيب وموحياته ، فبعد افتتاح السورة الكريمة سيقت القصص كما تعلمون تعزية وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقى من قومه من الأذى وما يقابله من المكروه ، وإنما سيقت هذه القصص ليعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس هكذا وأن الدنيا هكذا فلا يضيق صدره ولا يحرج ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك ) وليعرف أن من طبيعة الناس أنهم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ، وأنهم تخطم أعناقهم خطمًا ليجروا إلى طريق الصواب كارهين أو راضين ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي من قومه فوق ما يتصوره العقل ، فقد ساق الله له هذه القصص ليعرف أنه حلقة في سلسلة الهداية الإلهية المستمرة ، وأنه الحلقة الخاتمة فخليق به أن يلقى حثالة ما في الطبع البشري من مساوئ وأوزار ، فهذه القصص تثبيت ( وكلًا نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) وهذه القصص عظة وتذكير ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ) .

لكن هذه القصص في هذه السورة ، سورة القمر ، سيقت بجسمها وتركيبها وبالتعقيبات التي جاءت عليها سياقة توحي باللطف الإلهي ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) وشيء من التأمل يوحي إليك بمعاني ما ينبغي أن تغيب على قارئ القرآن ، قوم نوح هم الجيل الثاني للبشرية إذ أن نوحًا عليه السلام هو الأب الثاني للبشرية ، فبعد أن فسق الناس عن أمر ربهم من بعد آدم أبي البشر عليه الصلاة والسلام فجّر الله الأرض عيونًا وأطلق السماء ماءً وحمل في الفلك نوحًا ومن معه وقال ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) فهؤلاء إذًا فاتحة طيبة يمكن أن يستخلص منها قارئ القرآن ورجل الدعوة درسًا لا أبلغ منه ( كذبت قبلهم قوم نوح ) والتعبير بقوله جلا وعلا ( كذبت ) يوحي بأن هؤلاء الناس يتبعون أهواءهم ويعطلون عقولهم ولا يملكون من أسلحة المعركة إلا هذا الشيء الذي لا يكلف شيئًا إلا سوء الخلق وفساد الطبع وهو التكذيب المجرد غير المستند إلى نظر وغير المؤسس على تحقيق وتدقيق .

وفي قوله تعالى ( فكذبوا عبدنا ) إشارة بالغة ، فهذا المنادي بأسباب الهداية ليس رجلًا يبحث لنفسه مجدًا أو يلتمس عند الناس نفعًا أو يتقوّل عليهم من ذات نفسه ، وإنما هو مأمور ( فكذبوا عبدنا ) لم يقل: رسولنا ، لأن الرسول وإن كان ينطق بلسان المرسل ، لكن الرسول يحتفظ بذاتيته الإنسانية الكاملة غير منقوصة ، والتعبير بقوله هنا ( عبدنا ) إشارة إلى أن هذا المتكلم عن الله لا يملك ذاتيته ، لا يملك أسباب الحرية التي تجعله يقول على الله غير الحق وإنما هو عبد مأمور يتحرك ضمن الدائرة التي رسمها له الذي أرسله ( وكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) وهذه الألفاظ وراءها دلالات وحالات نفسية وأوضاع مجتمعية عاشها محمد صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه .

فأول ما يستقرّ في ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول ما يستقر في ذهن أتباعه أن طبائع الأمور تقضي بأن يواجَه الداعين إلى الله بهذا التكذيب وبهذه السلسلة التي لا تريد أن تنتهي من الاتهامات والافتراءات ، وأن الواجب إزاء ذلك كله الصبر بغير حدود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت