فهرس الكتاب

الصفحة 13429 من 27345

كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) ( قالوا يا نوح لئن لم تنتهِ لتكونن من المرجومين ) وإذًا فهو الزجر والدفع والصد والكيد والإيذاء وأكثر ، إن نوحًا عليه السلام كما ذكر القرآن لبث في قومه داعيًا ألف سنة إلا خمسين عامًا ، وكانت الأجيال تذهب وتجيء ، وكان الشيخ الهرم وهو يدلف إلى القبر يمسك بولده الصغير ويأتي به إلى نوح عليه السلام ويقول له: إياك أن تتبع هذا الكاذب المجنون . وإذًا فهم يتواصون على رفض الهداية وعلى محاربة الداعين إلى سبيل الحق والصواب كما يتواصى أبناء هذا الزمان على مكافحة الهداية وطمس معالم الهدى والحق .

هؤلاء الأقوام بعد أن قصّ الله علينا من نبئهم في سورة القمر ، كيف جاء التعقيب ؟ ذكر الله خاتمتهم ، ذكر لنا بالنسبة إلى قوم نوح كيف أغرق المكذبين وأنجى نوحًا ومن معه ، وذكر لنا كيف أرسل الريح العقيم على عاد ، وذكر لنا كيف أخذ الأقوام الآخرين بالصيحة وأشباهها ، شيء يجب أن نلتفت إليه: هذا التساؤل الإلهي الذي يلقيه إلى الناس بعد كل قصة ( فكيف كان عذابي ونذر ) ثم ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) قليل من التفكير يوحي بأن لطف الله جل وعلا يتخلل هذه الصور المرعبة للأقوام التي أخذها الله جل وعلا أخذ عزيز مقتدر ، إن الله تعالى لا يأخذ الناس لأول ذنب وحاشاه ، جاء رجل إلى ابن الخطاب رضي الله عنه أو جيء به في حدٍ من حدود الله سارقًا ، فقال يا أمير المؤمنين أقلني ، يعني اعف عني ، فهذه هي أول مرة أسرق فيها ، قال له: كذبت يا عدو الله ما كان الله ليفضح عبده المسلم لأول ذنب . أول ذنب في عوائد الله جل وعلا مستور ومغفور ومعفو عنه إن شاء الله ، لكن الإنسان يستحق النكال إذا استمرأ المرتع الوبيل وذاق الطعام الخبيث فأساغه ، حين ذلك فقط يحق عليه النكال ويأخذه الله تعالى إنفاذًا لسنته الماضية في الكون والأنفس والآفاق .

فهؤلاء حينما يسألنا الله ( فكيف كان عذابي ونذر ) يلفت نظرنا إلى أن الله تعالى لا يأخذ الناس اعتباطًا وإنما يمهل ويمهل ويحذر ويذكّر ، ويأخذهم بالشدائد لعلهم يرجعون ولعلهم يتقون ولعلهم يحذرون ، بل إنه ليمهلهم طويلًا فيمتع أجيالًا برمتها حتى ينسى الناس ما حلّ بهم ويقولون في الأحاديث وفي الأسمار ( قد مسّ آباءنا السراء والضراء ) ويظن الناس أنهم بمنجاة من العذاب ولكن الله تعالى يأخذهم فإذا هم مبلسون ( فكيف كان عذابي ونذر ) عذاب الله لا يأتي إلا بعد الإنذار ، والإنذار يكون تارة بالقول ويكون تارة بالذي يحدث للناس من الأوبئة والأمراض والسنين ونقص من الأموال والثمرات ، ويكون تارة ـ وهذا من اللطف ـ بما يصيب المجاورين من شدائد وكوارث وبلايا فإذا أراد الله جل وعلا أن يفتح مغاليق القلوب اهتدوا ، وإذا أصرّ الناس على العتاد والاستكبار نفذ فيهم قانون الله الذي لا يتخلف .

ثم يأتي هذا التعقيب الذي تكرر أربع مرات ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) تيسير القرآن للذكر تيسير مطلق ، وأعملوا فكركم معي قليلًا ، وفارق بين أن يكون الشيء مطلقًا وبين أن يكون مقيدًا في جو معين ، إن تقييد المطلق بجو معين يلونه بتلاوين خاصة ، وها هنا في سياق السورة فالقضية مقيدة كما هو واضح ولو أننا قرأنا السورة الكريمة إلى آخرها لوجدنا الأمر واضحًا ، بعد أن ينتهي عرض الصور التي أُخذت بها الأمم الماضية ويُختتَم ذلك بهذا الإيجاز الذي يوحي بالموت والعذاب السريع والأخذ غير الممهل فقصص آل فرعون ( ولقد جاء آل فرعون النذر ، كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) بعد هذا الاقتضاب والإيجاز الشديد يأتي كلام بالغ الدلالة بالنسبة إلى ذلك الزمان ولكل زمان وإذًا فهو مستمر المدى ، بالنسبة إلى التذكر ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) أنتم أمة من جملة الأمم التي برأها الله جل وعلا وبثها على ظهر هذا الكوكب ، وأنتم لستم خيرًا من أولئك الأقوام ، فلقد مضى قبلكم أمم أكثر عددًا وجمعًا وأولادًا وأكثر قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرتموها فحلّ بهم ما قصّ عليكم ، فهل كفار العرب الذين يناوئون رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من أولئكم ؟ ما وجه الخير ؟ الدم واحد ، الخلقة واحدة ، المنزلة عند الله واحدة ، والناس كلهم عباد الله ليس بين الله وبين أحد نسب ولا سبب وإنما يتفاضلون عنده بالتقوى والعافية ويمتازون عنده بطاعة الله تعالى والاستمساك بأوامره والبعد عن مساخطه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت