فهرس الكتاب

الصفحة 13430 من 27345

أم لكم براءة في الزبر ) أم تقولون نفس القالة التي قالتها اليهود من قبل وقالتها النصارى ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وإذًا فإن الله لن يعذبنا بذنوبنا ، كل ذلك غير كائن ، ثم يلفت أنظارهم إلى أن الله تعالى عذابه حاضر وعتيد ( ولقد أهلكنا أشياعكم ) والأشياع هم الأمثال والنظراء ، تقول هذا الشيء شيع هذا الشيء يعني مثله ونظيره ، ( ولقد أهلكنا أشياعكم ) أي من كان على طريقتكم في العناد والاستكبار على الله تتعالى ، وإذًا فالقيد الذي يطرأ على قوله ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) في ظلال السورة وإطارها العام وفي جوها يوحي بداهة وابتداءً أن الله قصّ هذا القصص من قصص الماضين وعرضه على المسلمين وغير المسلمين وتركه كلامًا باقيًا على الدهر لكي يكون وسيلة من وسائل التذكر اليسير ، كان ممكنًا أن يطمس الحديث وأن يهذب الله من ذاكرة الناس بنبأ هؤلاء الأقوام وأن يمسح صفحات التاريخ مسحًا فلا يسمع الناس لا بقوم نوح ولا بقوم عاد ولا ثمود ولا بقوم لوط ولا بفرعون .. ويكون الناس كالذي يواجه الأمور لأول مرة ، ولكن الله بلطفه وبرحمته ساق هذا القصص وفصّل فيه وأبْدَأ وأعاد لكي يكون وسيلة للتذكرة ، ثم هو أحد وجوه تيسير القرآن للذكر ، وطبيعي أن الإنسان حينما يقرأ ما جاء في الكتاب الكريم من سير الماضين ومن معارك بين الحق والباطل ، ومن وصف دقيق لمواقف الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم ، سيكون عليه يسيرًا أن يعي وأن يتذكر وأن يستبصر .

في هذا الإطار موضوع تيسير القرآن للذكر يبدو للوهلة الأولى محكومًا بفهم مغازي القصص التي سيقت في هذه السورة ، لكن المسألة لها جانبها المطلق ، لها جانبها الذي يتصل بصميم الدعوة وبأصولها العامة ، فالقرآن بالفعل ميسّر ، وقبل أن نذكر بعضًا من وجوه التيسير أحب أن ألفت أنظاركم إلى أن النص على تيسير القرآن للذكر جاء في السور التالية: في سورة القمر يقول الله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) في سورة الدخان ( فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) في أواخر سورة مريم ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لدًّا ) .. في كل القرآن لم يرد التيسير صراحة إلا في هذه السور فقط ، تأملوا الآن: حينما نأتي إلى آية الدخان ( فإنما يسّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) تكون عندنا قضية ، في آية مريم ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لدًا ) تكون عندنا القضية ذاتها مع ضمائم أخرى ، في سورة الدخان يُذكر التيسير مقرونًا بأنه بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أنه نزل بلغة العرب الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكلام لا يعطينا أكثر من أن هذا القرآن من جملة وجوه تيسيره للذكر أنه جاء بلسان العرب ، لكن حينما نأتي إلى آية مريم نجد الضمائم تضاف إلى المعنى الأصلي ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لدًا ) الإنذار ما هو ؟ التحذير ، واللد من هم ؟ هم القوم الخصمون ، بل ولو أنني أدخل معكم في بعض الأحيان بمباحث تتعلق باللغة لكن هذا ضروري من أجل استقامة الفهم ، كلمة ( اللد ) جمع مفرده ( الألد ) والألد هو الخصم الشديد الخصومة بل إن من بعض معانيه الخصم الذي يغلب صاحبه في الخصومة ، إذًا فالألد هو الذي يغلبك في الخصومة ، أيضًا من معاني المادة التحيّر ، تقول: رأيت فلانًا يتلدّد في طريقه أي يتحيّر ولا يتهدي سبيله أين يكون ، وإذًا فحينما نسمع الله تعالى يصف كتابه الكريم والمحكم بأنه إنذار لقوم لدّ معنى ذلك أنه مؤثر في مواقف بالغة الصعوبة شديدة العنف ، إن الإنسان الذي يحيّرك وهو يخاصمك ويجادلك بنص كلام الله تعالى يمكن أن يُنار له الطريق وأن يُحمَل على أن يتخلى عن هذا الموقف الشنيع ، وإن الإنسان الذي يغلب في العادة خصومه في اللدد والحجاج لا يستطيع أن يغلب كلام الله جل وعلا ، ثم هو أيضًا يبشر المتقين ، ولكن هنا شيء أساسي نصّت عليه آيتان الدخان ومريم هو تيسير القرآن بلسان رسول الله أي بلسان العرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت