د. أحمد بن محمد بن صالح الخضيري 3/4/1426
نقض الحكم القضائي في الاصطلاح الشرعي: هو إبطاله من قبل القاضي الذي صدر منه الحكم أو غيره ممن له ولاية ذلك عند وجود سببه.
والنقض هو وسيلة إلى إصلاح الأحكام القضائية وردها إلى جادة الصواب، وذلك لأن البشر قد جبلوا على النقص والخطأ والتفاوت في الفهم والإدراك، فقد يخطئ القاضي مثلًا في تقدير الأدلة والنظر في البينات، وقد يلبس عليه فهم الواقعة فيقع حكمه في غير محله، وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عن نفسه:"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (1) ، فغيره من باب أولى.
وقد يكون القاضي من قضاة الجور فيتعدى في أحكامه ولا يتحرى الصواب مما يجعلها عرضة للنقض.
وعلى هذا فلا يتصور أن تكون جميع أحكام القضاة موافقة للحق والصواب، بل لا بد أن يقع بعضها في الخطأ والبعد عن الصواب، ولا ينكر وقوع هذا من القاضي إذا بذل وسعه واجتهد في تحصيل الحق، بل هو مأجور على اجتهاده، ولكن يتعين المسارعة إلى نقض هذا الحكم والرجوع إلى الحق، وعدم الإصرار على الباطل بعد تبنيه، ونقض الحكم القضائي عند وجود سببه فيه تحقيق للعدل في ا لقضاء الذي أمر الله تعالى به، وانتهاء عن الباطل الذي نهى عنه، فينشأ عن ذلك حفظ حقوق العباد، وصلاح أحوالهم وثقتهم بالقضاء الشرعي الذي لا يقر الباطل ولا يرتضيه.
وأسباب نقض الحكم القضائي كثيرة متنوعة باعتبارات مختلفة، فمنها ما له تعلق بالقاضي الذي أصدر الحكم، ومنها ما له تعلق بالحكم نفسه، ومنها ما له تعلق بطريق الحكم، ونحو ذلك، ومرد هذه الأسباب هو وقوع الخطأ والخلل، قال السبكي:"ونريد أن ننبه هنا على فائدة في نقض الحكم ولا شك أن الحكم إنما ينقض لتبين خطئه" (2) ، وقال أيضًا:"واعلم أن مدار نقض الحكم على تبين الخطأ" (3) .
وقال ابن القيم:"الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات، فالأدلة تعرفه الحكم الشرعي الكلي، والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أو انتفاءه منه، والبينات تعرفه طريق الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم، وجميع خطأ الحكام مداره على الخطأ فيها، أو في بعضها" (4) .
وقد اجتهدت في استيعاب هذه الأسباب في رسالتي للدكتوراة الموسومة بـ"نقض الأحكام القضائية"وقد حوت دراسة شاملة لموضوع النقض.
ويهمني هنا أن أبين أحد الأسباب المهمة التي ينقض لأجلها الحكم القضائي: وهو تجاوز الاختصاص القضائي في نوع القضايا أو الخصوم.
وفي البداية ينبغي أن نعلم أن الغرض من تخصيص الإمام للقضاة بنوع القضايا أو الخصوم هو المصلحة العامة التي تخدم القضاء والمتقاضين من حيث الإسراع في بت القضايا والتخفيف عن القضاة الذين يشتغلون بالقضايا الكبرى، كما أنه يعين القاضي المختص في بحث ودراسة القضايا التي تدخل في نطاق اختصاصه، واكتساب الخبرة فيها مما يقلل الخطأ، ويؤدي إلى سرعة الفصل في القضايا، فليس في التخصيص إذا تم على وجهه الشرعي مساس بوحدة القضاء ووظيفته، بل هو يخدم القضاء والمتقاضين، ولكن إذا كان المراد بالتخصيص إحالة بعض القضايا أو الخصوم إلى جهات غير شرعية تتولى الفصل فيها فهذا لا يجوز، وهو يضر بالقضاء الشرعي لما يؤدي إليه من انتزاع لبعض أجزائه وإحالتها إلى جهات غير مخولة شرعًا بممارسة عمل القضاء.
وإذا تقرر هذا فإني سأبين في هذه الدراسة نقض حكم القاضي لمخالفة هذا الاختصاص إذا كان الاختصاص قد تم على وجهه الشرعي:
فاختصاص القاضي النوعي -كما أسلفنا- يكون في نوع القضايا، أو نوع الخصوم.
ومن الأمثلة على الاختصاص بنوع القضايا: أن يقلد الإمام القاضي في بعض الأحكام دون بعض، كأن يقلده في الأنكحة دون الأموال، أو في الدماء دون غيرها، أو يقلده في مقدار معين من المال لا يتجاوزه، أو في دعوى معينة فلا يتعداها إلى غيرها، ولو كانت مثلها بحيث تنتهي مهمته بالبت فيها (5) .
ومن الأمثلة على الاختصاص بنوع الخصوم: أن يقلد الإمام القاضي على أن يحكم بين شخصين معينين، أو بين قبيلة معينة، أو بين النساء دون الرجال، أو العكس، أو يخصص قاضيًا للأحداث، وقاضيًا لأهل البادية، وقاضيًا لأهل الذمة، ونحو ذلك (6) .
وقد يكون الاختصاص في نوع القضايا والخصوم معًا، ومثال ذلك: أن يخصه بالقضاء بين شخصين معينين في خصومة معينة وقعت بينهما، فلا يقضي في غير هذه الخصومة، ولا بين غير هذين الخصمين (7) .
وإذا كان نظر القاضي خاصًا بنوع ما مما تقدم فعليه أن يلتزم بذلك، ولا يجوز له أن يحكم خارج اختصاصه الذي حدد له وإلا كان حكمه مستحقًا للنقض؛ لوقوعه فيما لا ولاية له فيه.