فهرس الكتاب

الصفحة 2579 من 27345

أَصلها ثابت وفرعها في السماء ( 1 )

د. عبد الكريم بكار

سيظل للكلمة أثرها الفعال في تغيير أفكار الناس وأمزجتهم ومشاعرهم وواقعهم، وذلك إذا استوفت شروطًا معينة.

وليس أدل على رفعة مكانة الكلمة في حياة البشر من أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام - كانوا يجيدون استخدامها في التعبير عن الحقائق الراسخة والربط بينها وبين واقع البشر ورصيد الفطرة المتبقي لديهم.

فهذا نوح - عليه السلام - يجادل قومه باستفاضة، حتى ضج قومه من ذلك حين قالوا: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود: 32] ، وهذا إبراهيم - عليه السلام - يكرمه الله - تعالى -، فيهبه من قوة الحجة ما يفحم قومه: (وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [الأنعام: 83] .

وهذا موسى - عليه السلام - يقول: (واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي) [طه: 27، 28] ، ثم يطلب من الله - تعالى -أن يتفضل عليه بإشراك هارون معه في التبليغ لفصاحة لسانه حين يقول: (وأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) [القصص: 34] .

والله - تعالى -يقوم لخاتم أنبيائه: (وقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) [النساء: 63] .

وكل هذا قبس مما نسبه الباري - جل وعلا - لنفسه حين قال: (قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: 149] وحجج النبيين ومضامين خطابهم للخلق - في الأصول - واحدة أو تكاد، مما يجعل جذور الكلمة الطيبة ضاربة في أعماق الزمن من لدن نوح - عليه السلام - إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يجعل حركة التاريخ كلها في سياقٍ عامٍ واحدٍ، هو: التأكيد على أهمية الكلمة الطيبة في إنقاذ البشرية من الضلالة.

ونحن في كثير من الأحيان نستخف بقيمة الكلمة، ومع أهمية العمل إلا أن لكل منهما مجاله الذي لا يصلح فيه غيره، وفى تاريخنا الإسلامي أمثلة كثيرة جدًا غيَّرت فيها الكلمة مسار شخص أو مدينة، بل قارة، فمما يذكرون في هذا الصدد أن وفدًا من بعض بلاد أفريقية وفد حاجًا، فالتقى بالإمام مالك بن أنس صاحب المذهب؛ فأثنى مالك على والي ذلك البلد خيرًا، وتمنى لو رزقت المدينة مثله في عدله وصلاحه.

فبلغ ذلك والي ذلك البلد الإفريقي، فأمر بتدريس كتب مالك في بلده، وأدى ذلك إلى انتشار المذهب المالكي في أرجاء أفريقية!

وما أظن أن ما حدث كان يخطر للإمام على بال.

وقد تغني الكلمة الواحدة غناء جيش أو جيوش، كما حدث في غزوة الأحزاب حين أسلم نعيم بن مسعود، واستخدم عدم علم المشركين بذلك في تبديد الثقة بين قريش واليهود على ما هو مشهور.

وقد أدركت الشركات والمؤسسات التجارية قيمة الكلمة في التأثير على المشتري ودفعه إلى شراء ما لا يحتاج له، قال أحدهم: لو كان لي عشرة دولارات لتاجرت بواحدٍ وصنعتُ دعاية بالتسعة الباقية.

وإذا أردت أن تشل فاعلية شخص ما، فيكفى أن تقنعه: أن عمله غير ذي فائدة.

والآية التي نحن بصددها زاخرة بالمعاني والصور التي تجعل الكلمة في أرقى حال جمالًا وكمالًا ونفعًا.

ولنقرأ الآية وما تلاها لنقتبس شيئًا من نورها، قال الله - جل وعلا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا ويَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [إبراهيم: 24-25] ، لقد شبه الباري -عز اسمه - الكلمة الطيبة بشجرة طيبة، وهذه الشجرة الطيبة تتصف بثلاث صفات أساسية: ثبات أصلها وعمق جذورها، ثم ذهاب فروعها وأفنانها في السماء، ثم نفعها الدائم للخلق باستمرار أكلها وثمارها.

ولنفصل القول في تنزيل هذه الصفات على الكلمة الطيبة.

1 -ثبات الأصول: حين نعرف أن أصول دعوات الأنبياء - عليهم السلام - واحدة، تركزت في الدعوة إلى التوحيد الخالص وعبادة الله - تعالى -وإقامة الحق والعدل في الأرض وإعمارها بما يسمح بإقامة مجتمع التوحيد؛ ندرك أي جذور ضاربة تمتلكها الكلمة الطيبة على اتساع أمداء الزمان والمكان، وندرك أي رصيد من المنطق العام الذي بناه الأنبياء تستند إليه، وأي رصيد ضخم من الفطرة يؤازرها في عملية البلاغ المبين.

وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: » أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد «.

قال ابن حجر: ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع - [فتح الباري 489/6] فالكلمة الطيبة إرث موروث متصل بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت