الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد معاشر المؤمنين:
مسائل مهمة في النصرة نصل بها حديثنا الموصول النافع المغيث للقلوب ، والمحرك للنفوس والرافع للهمم، مع الانتصار والنصرة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة الأولى: التنوع والتخصص
فإن كل مسلم مؤمن يؤمن بالله ورسوله، لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق وفي عنقه واجب ؛ وهنا عندما نتحدث عن النصرة والانتصار فينبغي أن تعم كل أحد ؛ ولعلنا نشير إشارات يسيرة، وومضات معدودة في بعض أنواع تلك التخصصات، والفئات وأدوارها، وشيء من قبسات قدواتهم في هذه الميادين، ونبدأ بالعلماء، والله جل وعلا يقول: { إنما يخشى الله من عباده العلماء }
وكلنا يحفظ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي ، من حديث أبي الدرداء وفيه: ( إن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا درهم ولا دينار ،ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) .
العلماء ورثة الأنبياء مجددوا عهد النبوة .. يا علماء الإسلام: أنتم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمة تنتظر دوركم والحق جل وعلا بين أثركم كما قال الحق سبحانه وتعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } .
وأولوا الأمر كما قال القرطبي:"أهل العلم والفقه".
وقال السعدي في تفسيره:"ينبغي لهم - أي للمسلمين - إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة فيما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين أو يخافون الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة الأمر وأن يرجعوا كما قال الله عز وجل {إلى أولي الأمر الذين يستبطونه منهم} ؛ أي أهل العلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا إذاعته -أي ذلك الخبر- إن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعداءهم فعلوا ذلك، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة لكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه".
أنتم يا علماؤنا تاج رؤوسنا، أنتم نور طريقنا، أنتم روادنا وسابقونا إلى الخير، نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تتجلى فيكم قبل غيركم، وأن تكونوا إليها سابقين لا يبلغ أحد شأوكم ، والله سبحانه وتعالى قد بين لنا ذلك.
وعندما نجد آيات العلم والعلماء ندرك تماما أن للعلماء دورًا متميزًا ، ورسالة عظيمة هي بمثابة القوة المحركة والبصيرة الموجهة للأمة .. وهنا نذكر أنفسنا وعلماءنا بالمواقف التي أرشد إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، عندما قال: ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) .
وعندما بين النبي صلى الله عليه وسلم ما ينبغي أن يكون، بل نسوق إلى علمائنا مواقف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أهل العلم الذين نطقوا به واعتنوا بنشره واتخذوا الحكمة في ذلك، ووقفوا وثبتوا لكل ما يقتضيه ذلك ويتطلبه، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من علم، أما أحدهما بثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا الحلقوم - أو البلغوم -) كما في الروايات.
وهكذا فعل ابن عباس رضي الله عنه عندما حمل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فشرق به وغرب، حتى إن واحدًا من تلامذته وهو الإمام مجاهد بن جبر رضي الله عنه يقول:"ختمت القرآن على ابن عباس ثلاثين ختمه أستوقفه عند كل آية أسأله عن معناها".
نريدكم أن تكونوا بيننا نريد أن نلتفت يمينًا ويسارًا فنجدكم قريب منا لئلا يسبق إلى الرأي ذووا الجهل أو الذين تدفعهم حماسة طائشة، وأين علماءنا لم يتقدموا فتقدم غيرهم .
وهنا أيضا نسوق الأمثلة من تاريخ أمتنا، يوم جاء الانحراف العقدي بتيار جامح في فتنة خلق القرآن، كان للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله منارة هادية وثبات مؤمن عظيم ووعي عالم بصير لم يرض أن يداهن ولا أن يأخذ بالأسباب التي فيها سلامة بل بقي على الحق ، وأوذي وسجن وجلد ثم آب الأمر بإذن الله عز وجل وبهذا الثبات مع نصرة العلماء إلى الحق ، فعادت السنّة من بعد البدعة ، وعاد الأمن والسكينة من بعد الفوضى .. كل ذلك بفضل الله عز وجل ثم بفضل دور العلماء في الأمة .. ونعرف قصة العز بن عبد السلام يوم وقف وقفته الشهيرة ..
الأمة اليوم تحتاج إلى تجديد تلك القدوات من علماء أمتنا في تاريخها العريض المديد ، الذين قالوا كلمة الحق ولم تأخذهم في الله لومة لائم ويوم يقولونها سيجدون الأمة كلها من وراءهم ، وسيجدون الناس يسترشدون بأقوالهم ويأخذون بفتاواهم وبأحكامهم ، وذلك ما نرى أثره يتجدد في الأمة .. ونسأل الله عز وجل المزيد منه .
التجار وما أدراك ما التجار !