تفسير سورة ( ق )
الجمعة 5 رمضان 1397 / 19 آب 1977
( 1 من 4 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فقد كان مقررًا أن يكون الحديث عن السورة الثالثة والثلاثين في ترتيب النزول في الجمعة الماضية ، لولا ما شغلنا آنذاك من حديث رأيناه ضروريًا حرصًا على مصالح الناس في هذا البلد وأمنهم وسلامهم ، وتذكيرًا للناس بقواعد دينهم غفلوا عنها أو أغفلوها ، وها نحن اليوم نعود لنتابع السياق الذي كنا فيه .
فقد يكون ضروريًا أن نعيد إلى الأذهان بعض ملامح السورة التي سبقت هذه الوقفة التي نحن فيها . إن أحد المشاكل الخطيرة التي قررها الإسلام في بواكير الدعوة فأحدثت آثارًا بعيدة ، وتركت في الناس بلبلة شديدة ، هي تقرير الإسلام في موضوع اليوم الآخر ، لقد كان لتقرير هذه القضية أثر صاعق على كل أحلاس الشهوات والذين يتبعون الحطام ، وكدأب الناس في كل زمان ومكان يجادلون في الحق فيطيلون فيه الجدال ، ويخاصمون في الباطل فيشتدون في الخصومة وينسى الإنسان حق عقله وحق كرامته وآدميته عليه ، وهو يلج في الطغيان ويدفع بالباطل الذي لا شبهة فيه .
إن المشركين حين بادأهم القرآن بتقرير هذه القضية أبدوا دهشتهم واستغرابهم ، وليس ضروريًا أن أعيد الشوط الذي مشيناه في هذه القضية ، وإنما الضروري أن تعلموا أنه بدءًا من سورة المرسلات فإن المسألة لم تعد مسألة إنسان يصدق أو يكذب باليوم الآخر على الجملة ، إن كل موقف تنشعب عنه مواقف ، وكل قضية تُشتق منها قضايا ، كانت المسألة مسألة استغراب أن يبعث الله الموتى من بعد البلى ، فلما واجههم القرآن بتشريح الواقع البشري تشريحًا لا رحمة فيه ، وأن المسألة ليست مسألة صواب وخطأ ، وليست مسألة إمكان وعدم إمكان ، ولكن المشكلة هي مشكلة الإنسان الذي يدفعه حرصه على البقاء وما يمليه له هذا البقاء من تمتع بالشهوات الممنوعة وغير الممنوعة ، وما يجر ذلك إليه من رغبة الإنسان في أن يتجاهل باستمرار لحظة الموت ولحظة المصير إلى الله ، إن هذا هو الشيء الذي يدفع الناس إلى ارتكاب مواقف لا تتسق مع عقل ولا دين ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ، يسأل أيان يوم القيامة ) .
إن المشكلة ليست هي أن يوم القيامة ممكن أو غير ممكن ولكن المشكلة هي أن الإنسان لا يريد أن يواجَه بما يعكر عليه استمتاعه بالطيبات والشهوات والملذات التي يمارسها في هذه الحياة ، ولهذا فهو يريد أن يغمض عينيه عن هذا اليوم ، ويريد أن يسد أذنيه عن سماع نبأ هذا اليوم لكي يزيد في أجل الاستمتاع يومًا آخر إن كان ذلك ممكنًا .
وهذا موقف أولي وساذج ، لكن الأمور كما قلنا يسلم بعضها إلى بعض ، ويؤدي بعضها إلى بعض ، وكل أمر حينما تضعه على بساط الواقع ليتعامل الناس معه أو ضده فلست تملك من بعد من أمره قليلًا ولا كثيرًا ، إن للحوادث منطقًا لا بد أن يكتمل ، وهكذا رأينا في موضوع يوم القيامة يتسلسل الأمر من دهشة واستغراب وسخرية واستهزاء تغلف رغبة كامنة في نفوس الناس أن يطيلوا أجل الاستمتاع فيما منعهم الإسلام منه من الشهوات الضارة الممنوعة الخبيثة ، إلى موقف استبعاد أن يقدر الله تعالى على أن يعيد إلى الحياة أجسامًا بليت وعظامًا فنيت .
وهكذا واجهنا فيما مضى ليس موضوع اليوم الآخر بذاته ، وإنما موضوعًا خطيرًا أيضًا سيأتي بتفاصيله العديدة فيما نستقبل في المرحلة المكية وهي ما ينبغي أن تكون عليه صورة الإله المعبود في ذهن الإنسان ، إننا إذا أقررنا من حيث المبدأ أننا مخلوقات ولسنا خالقين ، أننا ولسنا أربابًا ولا آلهة ، فمن البداهة أن الكلام يتضمن وجود قوة وقدرة هي التي انبثقت عنها هذا الكون ومن ضمنه نحن . وإذًا فبمجرد الإقرار يعني التسليم بوجود الذات الإلهية ، والذات الإلهية تتقاضى أوصافًا ، فما كل قوة تستحق أن تُعبد ، إن بعض المتزعمين من الفراعنة وأشباههم فرضوا عبادتهم على الناس ، وليس هذا شريحة من التاريخ الماضي ، فإن هذه اللوثة العجيبة ما تزال تعيش بين الناس إلى اليوم ، وما يزال كثيرون من ضعاف العقول يتصورن الزعماء والقادة من طينة غير طينة البشر ، وأن الدم الذي يجري في عروقه تركيبه تختلف عن تركيب دماء سائر الناس ، لا يزال هذا موجودًا .
نقول مع ذلك فلا أحد يستطيع أن يقول إن هذا المخلوق يستحق أن يُعبَد ، فالعبادة التي تتضمن إعطاء الأوصاف التي هي أوصاف الكمال والجلال لا تنبغي إلا لله جل وعلا ، ولكن المسألة يجب من بداية الطريق أن تكون معروفة ، إن مسائل من هذا القبيل ليست شيئًا يخضع لمقاييس المنطق ولا لقضايا العقل البشري ، إنها قضية الخبر لأنها قضية الغيب . موضوع الأوصاف التي يجب أن تتصف بها الذات الإلهية ليست شيئًا يدرك بالعقل ولا ببديهة الحس ولا بمعطيات الوجدان ، لأنها قضية أعلى من ذلك ، لأنها إخبار محض من الله تعالى عما يتصف به من أوصاف الكمال والجلال .