لو أن هؤلاء المشركين جاءوا لي بملك الدنيا بل بالسماوات والأرض وما بينهما ما تركت هذا الأمر ، أنا لا أطلب الجاه ولا أطلب المال ولا أطلب الثراء ولا النساء ولا أي شيء ، وبالفعل فكل أولئك عُرض على رسول الله فرفضه رفض الكريم الأبي الشهم النبيل ، وبيّن لهم أنه لا يريد هذا كله . كان يريدهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم به العجم الجزية هي أن يقولوا لا إله إلا الله ، وحينما قال لهم هذا نفروا منه كما تنفر الحمر وقالوا قولتهم المعلومة ( أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب ) ( قل ما أسألكم عليه أجرًا وما أنا من المتكلفين ) أي لا أدّعي ما لا أعلم وإنما أخبركم بالذي يخبرني الله جلا وعلا ، أنا واحد منكم لا أقرأ ولا أكتب ولا أحسب ، كما أنكم أميون لا تقرأون ولا تكتبون ، ولكني حين أخبركم فعن الله أخبركم ، ولهذا فلست من الذين يتكلّفون علم ما لا علم لهم به ( وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين ) وهذه قضية هامة ، لأننا نواجه هنا بيان القرآن بأن الدعوة الإسلامية ليست مقصورة على العرب ، إنما هي دعوة الله إلى الناس كافة ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) هل يكفي هذا ؟ ( ولتعلمنّ نبأه بعد حين ) من الذي يجرؤ على المجازفة بإعطاء الوعد بالمراهنة على المستقبل ؟ من الذي يجرؤ على شيء من هذا في وسط العواصف الهائجة المائجة كالوضع الذي كان سائدًا في مكة زمن النبي صلى الله عليه وسلم من يستطيع أن يأخذ الورقة والقلم فيعمل حسابًا للقوى والإمكانات ليقول إن العاقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ في كل حسابات البشر هذا غلط ، ولكن الحساب في قانون الله تعالى لا تخضع لحسابات البشر ( ولتعلمنّ نبأه بعد حين ) وعد يُقطع من الله تعالى لكنه مبطّن بالتهديد ، لتعلمنّ نبأ هذا القرآن بعد حين ، وبالفعل ما دارت الأيام والشهور والسنون حتى كان الذين يعاندون رسول الله من أخلص أتباعه ، وحتى كان الذين يكذبون بالقرآن من الذين يتلونه آناء الليل وأطراف النهار ، وحتى أصبحت البيوت التي كانت في الأمس مظلمة في الشرك مضيئة اليوم بالتوحيد ، وحتى أصبحنا ونحن اليوم في أسوء حال نسمع هذا القرآن يتردد في جنبات الأرض كلها . هذا وعد الله جل وعلا ، لكن كيف يتحقق هذا ؟ ما شرطه الأساسي ؟ ذلك ما سوف يتجلى لنا بإذن الله حينما نأخذ بالتفصيل بعد هذا الإجمال الذي حللنا فيه آيات السورة الكريمة سائلين المولى جل وعلا أن يمنحنا القوة والعون على إنجاز ذلك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين .