الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*
أضحى من الواجب على أهل العلم وطلابه ـ مع إطلالة كل عام هجري ـ أن يذكّروا إخوانهم المسلمين بأمر لا يُعين عليه إلا الله، فقد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره، ألا وهو الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، في ربيع الأول من كل عام. وذلك لأن الذكرى واجبة، نفعت أم لم تنفع، معذرةً إلى الرب ولعلهم أو لعل بعضهم يتقون.
وقبل الشروع في المقصود،وهو بيان حكم الشرع في هذا العمل، هناك ثلاث مقدمات ممهدات لابد من التنبيه عليها، والإشارة إليها، لصلتهما الوثيقة باستيعاب حكم الشرع في هذا العمل، فأقول وبالله التوفيق:
المقدمة الأولى:
ما حقيقة محبة الله عز وجل ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وما علامة ذلك؟
حبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان وبغضه كفر ونفاق، بل لا يكتمل إيمان العبد حتى يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه.
لقد بين الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه المحبة ودل على علامتها، حيث قال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران: 31] سواء كان سبب نزولها كما قال ابن جرير يرحمه الله:"أنزلت في قوم قالوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا؛ فأمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ فاتبعوني، فإن ذلك علامة صدقكم فيما قلتم من ذلك، أو كانت نزلت في وفد نجران ـ كما ذكر ـ الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي تقولون في عيسى من عظيم القول، إنما تقولونه تعظيمًا لله وحبًا له، فاتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم" [تفسير الطبري بتحقيق محمود و أحمد شاكر:6/322-325] .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره [تيسير الكريم الرحمن: 105] :"هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فعلامة محبة الله اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعل متابعته، وجميع ما يدعو إليه طريقًا إلى محبته ورضوانه، فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما".
وقال الشيخ أحمد شاكر [عمدة التفسير: 1/241] :"هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ ) ) [متفق عليه] . ولهذا قال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب".
فحقيقة وعلامة محبة الله ورسوله هي اتباع أوامرهما، واجتناب نواهيهما. فالحب الوجداني وحده لا يكفي، على الرغم من أهميته، ما لم يكن مقرونًا بحب الاتباع والانقياد والطاعة له صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي. إذ لو كان وحده كافيًا نافعًا لنفع أبا لهب الذي أعتق جاريته ثويبة لأنها بشرته بولادة محمد صلى الله عليه وسلم، ولنفع أبا طالب في الخروج من النار، فقد كان محبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حاميًا له، بلهَ مادحًا له ولدينه، ومن العجيب الغريب قصر البعض ـ هدانا الله وإياهم سبل السلام ـ محبته صلى الله عليه وسلم على هذا الحب الوجداني، متمثلًا في إنشاد وتلحين القصائد والمدائح، التي لا تخلو غالبًا من الغلوّ إن سلمت من الشركيات، والرقص والتواجد، وإحياء الحوليات، والاحتفال بالموالد، بل لقد بلغ الغرور ببعضهم أن يحكم على من لا يقرّهم على ذلك، ويشاركهم فيه، ويمارسه معهم، بأنه لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم!! وهذا لعمر الله من الافتراء المبين، والظلم المشين، والغرور اللئيم، حيث قلبوا الموازين، وافتروا على رب العالمين، وتلاعبوا بسنة سيد المرسلين، وأجحفوا في حق إخوانهم في الدين، حيث جعلوا البدعة سنة، والمنكر معروفًا، والباطل حقًا.
المقدمة الثانية:
هل هناك بدعة حسنة محمودة، وأخرى سيئة مذمومة؟
اعلم أخي الحبيب، وفقني الله وإياك، أن البدعة في الاصطلاح تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي [انظر الاعتصام للشاطبي: 1/287.] :
(1) بدعة لغوية:
وهي كل أمر حادث، سواء كان في العادات أو العبادات، نحو اختراع الساعة، والسيارة، ومُكبّر الصوت، وما شابه ذلك، وهي من المباحات.
(2) بدعة شرعية:
وهي كل أمر مُحدث ليس له أصل في الدّين يُراد به التقرب إلى الله عز وجل، فهي خاصة بالعبادات، نحو البناء على القبور وما شابه ذلك.
(3) بدعة إضافية: