أ. د .ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المبجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد، فقد سئلت مرارًا عن مسألتين عظيمتين كثر الخوض فيهما، ألا وهما:
المسألة الأولى: هل العمل شرط كمال للإيمان أم شرط وجوب، أم هو شرط صحة وركن لا يقوم الإيمان إلاّ به؟
والمسألة الثانية: هل يكفر الإنسان بقول أو عمل؟
وللفائدة رأيت أن يكون هذا المقال جوابًا على المسألتين باختصار، أما المسألة الأولى: فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان هو قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالجوارح وعمل بالقلب، ولهذا كان من قول أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، وقولهم: الإيمان قول وعمل ونية، فالإيمان اسم يشمل أربعة أمور لابد أن تكون فيه، وهي:
-اعتقاد القلب أو قوله، وهو تصديقه وإقراره.
-عمل القلب، وهو النية والإخلاص، ويشمل هذا انقياده وإرادته، وما يتبع ذلك من أعمال القلوب كالتوكل والرجاء والخوف والمحبة.
-إقرار اللسان، وهو قوله والنطق به.
-عمل الجوارح -واللسان من الجوارح- والعمل يشمل الأفعال والتروك قولية وفعلية.
والأدلة على أن أعمال الجوارح داخلة في اسم الإيمان كثيرة، ومن ذلك ما ثبت عند مسلم في ( كتاب الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيانُ خصاله) حديث وفد عبد قيس، وقد جاء في بعض طرقه في الصحيح، أنه _صلى الله عليه وسلم_ أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال:"أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟"، قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم، وقد أورد الإمام البخاري هذا الحديث في ( كتاب الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان) ،
وأدلة الكتاب على هذا كثيرة، منها: قول الله _تعالى_:"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقًا"، وفي الآية الأخرى"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله"، وفي ثالثة:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون"، وفي رابعة:"والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا"، والآيات في هذا كثيرة.
وقد بوب البخاري ومسلم في صحيحيهما أبوابًا كثيرة تثبت أن الأعمال من الإيمان، ففي البخاري:
باب الحياء من الإيمان.
باب من قال: إن الإيمان هو العمل.
باب الجهاد من الإيمان.
باب تطوع قيام رمضان من الإيمان.
باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان.
باب الصلاة من الإيمان.
باب اتباع الجنائز من الإيمان.
باب أداء الخُمس من الإيمان.
وغيرها، وفي مختصر مسلم:
باب بيان الإيمان بالله أفضل الأعمال.
باب الحياء من الإيمان.
باب من الإيمان حسن الجوار وإكرام الضيف.
باب من الإيمان تغيير المنكر باليد واللسان والقلب.
وغيرها من الأعمال، قال شيخ الإسلام في (الواسطية) :"ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح".
فظهر أن اسم الإيمان يشمل كل ما أمر الله به ورسوله _صلى الله عليه وسلم_، ويدخل في ذلك فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات، وإحلال الحلال وتحريم الحرام، واسم العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، ويشمل الفعل والترك، ويشمل الواجبات التي هي أصول الإسلام الخمس فما دونها، ويشمل ترك الشرك والكفر وما دونهما من الذنوب.
وعليه فحكم ترك العمل على أقسام:
-ترك الشرك وأنواع الكفر فهو شرط صحة لا يتحقق الإيمان إلاّ به.
-وأما ترك سائر الذنوب مما دون الكفر فهو شرط لكمال الإيمان الواجب.
-وأما عمل القلب وانقياده، وهو إذعانه لمتابعة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وما يتبعه كمحبة الله ورسوله، وخوف الله ورجائه فهو شرط صحة.
-وكذلك إقرار اللسان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هو شرط صحة.
-وأما أركان الإسلام بعد الشهادتين فلم يتفق أهل السنة على أن شيئًا منها شرط لصحة الإيمان، بل وقع الخلاف في تارك المباني الأربعة بين أهل السنة.
-أما سائر الواجبات بعد أركان الإسلام الخمسة فلا يختلف أهل السنة في أن فعلها شرط لكمال إيمان العبد -أي: إن تركها من غير جحود لا يؤدي إلى الكفر-