فهرس الكتاب

الصفحة 25463 من 27345

المقال الافتتاحي لمجلة سيزنتي التركية، عدد نيسان 2004

لم يعش العالم الاسلامي منذ ظهوره حتى اليوم في أي عهد من عهوده -حسب علمنا- الحالة المزرية التي يعيشها الآن، ولم يضق أفقه كما ضاق الآن. والأسوأ من هذا انه ليس في وضع يؤهله لا لمشاهدة الفرق الشاسع بين موقعه الحالي وما كان يجب ان يكون عليه ولا لتقييم هذا الفرق وبحث أسبابه. فهو في كسل وراحة بال لا يعاني من أي مخاض فكري، ولا يقدم أي تفكير بناء، ولا يملك أي نية في هذا، ولا يشعر في قلبه بأي جيشان عاطفي. لفته طبقة ضبابية كثيفة من اللامبالاة وعدم الإهتمام، وضاق في قلبه شوق الحياة ونبضها... لا يملك -ان استثنينا رغباته الجسدية- أي أمل أو تطلع إلى المستقبل... اصبح أحيانًا حارسًا للجبارين، وأحيانًا متسولًا على الطراز الحديث، او متلويًا في قبضة الفقر والحاجة، او في حالة يرثى لها من الجهل والتعصب.

لم يعد هذا العالم الإسلامي مهتما بما أمر به الدين الإسلامي من التمسك بالفضيلة، والعيش في كرامة، والانفتاح على العلم وقراءة الوجود قراءة صحيحة، وتنقيب أرجاء الكون بكل دقة، وتفسير الأسس التكوينية والأوامر التشريعية أفضل تفسير وأفضل تقييم. وإذا كانت هناك فئة قليلة تهمها هذه الأمور وهذه الأوامر فقد مُنعت من الكلام وسدّت أفواهها ومُنع الناس من الانصات اليها. كما ان انواعًا من السفاهات التي نقلت اليه من المجتمعات الاخرى، اصبحت من اكثر الامور المرغوبة، وتم الترويج لها بالوسائل التكنولوجية وبحملات مكثفة. الجماهير السائبة تعيش حالة من التشوش والذهول، واجيال الشباب واقعة في شباك الفحش والمخدرات تتوجه نحو التفسخ والانحلال تحت مقولة:"دعني اعيش على هواي".

عندما يلقي الانسان نظرة على القوة الديناميكية الإسلامية وغناها يود أن يرى كل جانب من جوانب العالم الإسلامي معمورًا، وكل مدنه كقطع من الجنان، وحواضره وقراه شبيهة بالفردوس... يود ان يرى أناسه مفعمين بالأمل وبالسعادة... قد شغلتهم حمى البحث عن الحقيقة، يقضون أوقاتهم بين الكتب والمختبرات، قد قلصوا ساعات ودقائق نومهم في سبيل البحوث والتدقيقات، ووهبوا ارواحهم للحق تعالى...

ولكن الحقيقة المؤلمة هي ان المأمول عكس الواقع المشاهد تمامًا. فان بحثت الآن في طول العالم الإسلامي وعرضه عن اصحاب تلك الأرواح التي عمرت الدنيا فيما مضى فلا تجد الا أعدادًا تعد على أصابع اليد من المثقفين من ذلك الطراز من ناحية الروح والمعنى، ولا تجد معماريين -باستثناء عدد قليل- يعمرون ويسندون جوانبنا المتصدعة والآيلة إلى السقوط.

بينما كان من المتوقع من منتسبي هذا الدين ان يكونوا أسعد من في هذه الأرض وأكثرهم تفاؤلًا بالنسبة للعالم الآخر واكثر أملًا، وفي الصفوف الأولى من العالم في كل مسألة، وان يكونوا بعزمهم وإيمانهم وثباتهم مرشدي العالم، يقدمون له المشاريع الأصيلة، ويحلون مشاكله اليومية. والحقيقة أننا كنا نتوقع ان يزدهر العلم والمعرفة في بستانه، وننتظر ان يكون هو الأسوة والقدوة الحسنة أمام العالم في مضمار الخلق الجميل والقيم الانسانية الرفيعة... كنا نتوقع انه عندما يرد ذكر العدالة وسيادة القانون والحق، وحرية الفكر والعقيدة يخطر العالم الإسلامي على البال. ولكن هل هو اليوم في هذا الوضع؟ هيهات! هيهات! لقد تعددت السهام المصوبة إلى إيمان المؤمنين فأصابته إصابات بالغة حتى تكسرت النصال على النصال، واقتيد العزم عندهم حتى استسلم، وتكسرت عندهم اجنحة الارادة، وسُلّمت المعرفة والعلم ليصبحا خادمين على مذبح الايدولوجيات. ومع ان كلامًا كثيرًا يقال حول الخلق الرفيع فان الواقع المعيش يكذب هذه الأقوال، حتى أصبحت العدالة تباع وتشترى كاي متاع آخر وأصبحت حقوق الناس تحت تصرف القوى الغاشمة حتى اصبحت هذه القوى قوى تسلط على الضعفاء لسحقهم. أما الحرية والإخاء والمساواة فقد اصبحت خيالًا صعب المنال. واصبح توقير الانسان والقيم الانسانية مجرد مواضيع تطرح في المؤتمرات وفي الندوات فقط.

الى جانب كل هذا فهناك حقيقة اخرى وهي ان العالم الاسلامي الذي يشغل موقعًا جغرافيًا واسعًا متأخر إلى درجة كبيرة في العلم والتكنولوجيا والفن والتجارة. ويمكن ذكر الشئ نفسه بالنسبة لمكانتنا في العالم. ولو كنا - في ظل كل هذه السلبيات - في سلام واتفاق فيما بيننا لهان الأمر بعض الشئ... ولكن هيهات... فهذا العالم الكبير يقوم بانتاج وتوليد اشياء عجيبة لا يمكن التنافس فيها... ينتج الحقد والكراهية والعداء وتلويث الآخرين، وارساء كل خططه على الخصومة والعداء. وتتصرف فيه كل أمة هذا التصرف فيما بينها. اجل!... فمنذ سنوات عديدة كانت تهيئة جبهات العداء والخصومة هي الشغل الشاغل لنا... اخترعنا مخاطر وهمية وعداوات مصطنعة، وفرقنا بين الجماعات وزرعنا بينها الفتن. فحولنا هذه المساحة الجغرافية المباركة إلى وديان خوف وفزع وأرض رعب وذعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت