فهرس الكتاب

الصفحة 10812 من 27345

د. حلمي القاعود 27/5/1426

كان الرئيس البوسني"علي عزت بيجوفتش"ـ رحمه الله ـ يقول: علينا دائمًا بالمفكرة والقلم. كما كان رحمه الله ينعى على المسلمين عدم تخطيطهم ليومهم وغدهم، مع أن الإسلام يحضّ على التخطيط والإتقان والاستفادة من الوقت، وعدم تضييعه عبثًا.

تذكرت مقولة"بيجوفتش"وأنا أرى كثيرًا من الناس، وبعضهم أصدقاء، يهملون في المواعيد، ويتناسون أمورًا كُلّفوا بها، ويعتذرون دائمًا عن تقصيرهم في عمل ما، أو إنجاز ما تحت ذرائع مختلفة، وأسباب متباينة!

التربية الإسلامية تجعل الفرد المسلم، مستقيمًا واضحًا! في كلامه وسلوكه ومنهجه حتى يصل إلى الصدق في القول والفعل بوصف"الصدق"سمة عامة، وطبيعة ذاتية في المسلم، لا تعرضه للمؤاخذة، أو تسحب الثقة منه أو تضعفها.

إن كثرة الشواغل والالتزامات تحتم على المسلم أن يلتزم بما يقول أو يعد، وأن يرتّب وقته ترتيبًا سليمًا يضع في حسبانه المستجدات والطوارئ؛ ولذا فإن المفكرة التي على المكتب أو في حقيبة اليد، ومعها القلم الذي يسجل فيها المطلوبات والمواعيد الخاصة به، سواء على المستوى العام أو الصعيد الشخصي، تصبح ضرورة لازمة، حين ينظر فيها يتذكر ارتباطاته والتزاماته ليفي بها ويقوم عليها.

ولا ريب أن التخطيط للعمل اليومي، يحقق لصاحبه راحة كبيرة، ويمنحه قدرة جيدة على الإنتاج والإبداع، وتعقبه من تداعيات التقصير والاعتذار.

هناك أشخاص عاديّون يتحركون في أفق محدود، يتعوّدون فيه على بعض الأعمال الروتينيّة، ولا تتجاوز علاقاتهم المجال المحدود الذي يعيشون فيه، ومع ذلك فهم مطالبون بالالتزام بواجباتهم العامة والخاصة، وأعتقد أن"المفكرة"تساعدهم على الوفاء بهذه الواجبات وغيرها. أما الأشخاص غير العاديين الذين تتسع آفاق علاقاتهم والتزاماتهم؛ مثل الأطباء والعلماء والأدباء والكتاب والأساتذة ورجال الأعمال وغيرهم من أعيان المجتمع ووجهائه ونشطائه؛ فإن المفكرة بالنسبة لهم تصبح"فرضًا"لازمًا، لا يستطيعون الاستغناء عنه أو التفريط به، وإلا وقعوا في التقصير، وارتكبوا"ذنب"الاعتذار!

تجد شخصًا من هؤلاء يقابلك معتذرًا عن خلف موعد أو عدم تحقيق اتفاق، بحجة النسيان أو المشاغل الكثيرة أو الظروف، ولا ريب أن هذا الشخص لا يعتذر لك وحدك، ولكنه يعتذر لغيرك، فقد صار منهجه هو"الاعتذار"، وحين يتكرر منه ذلك؛ فإنك تقول: فلان لا يصدق، ولا يُعتمد عليه، ولا يُوثق به؛ لأن سلوكه لم يكن استثناء، ولكنه صار قاعدة .. قد يكون طيب النوايا. مخلص التوجه، ولكن السلوك أو التطبيق ضيع الإخلاص والطيبة جميعًا، وخلّف"فصامية"في شخصية صاحبه"المسلم"، وهو ما يأخذه علينا خصوم الإسلام، ويرونه نقصًا فينا وفي إسلامنا، في حين أن إسلامنا مظلوم منا قبل غيرنا.

قال تعالى: (...إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا) [الكهف:30 ]

فإحسان العمل في شتى المجالات، له أجره وثوابه عند الحق سبحانه وتعالى.

وقال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف:2 ،3 ]

وهذا رفض واضح وصريح للانفصام بين القول والفعل، والسؤال هنا فيه استنكار وتبكيت لمن يقول شيئًا ويفعل غيره، وفيه وعيد ضمني وتهويل وإزراء بمن يعيشون الانفصام ويكون سلوكهم مناقضًا لما يعلنونه ويتحدثون عنه.

الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن إتقان العمل والوفاء بالوعد أو العهد ورفض الفصام النكد بين القول والفعل كثيرة جدًا لا يحتملها المقال، وتفيد مع الآيات الكريمة أن المسلم لا بد أن يكون دقيقًا في عمله، ملتزمًا في سلوكه، منظمًا في حياته، وإلا فإنه سيخسر كثيرًا ماديًا ومعنويًا.

إن قضية الوقت أو الزمن في حياة المسلم محسومة دينيًا، فلا يوجد ما يسمى"وقت فراغ"بالنسبة له. إن وقته كله مشغول، وزمنه كله ممتلئ. هناك وقت للعمل، ووقت العبادات، ووقت الأسرة، ووقت المجتمع أو خدمة المسلمين، وإن تبقَّى بعد ذلك وقت فائض فهو للنوافل أو الذكر أو القراءة .. كثرة الالتزامات بالنسبة للمسلم لا تجعله يعيش في فراغ أبدًا، وهو مطالب -كما يهديه الحديث الشريف- بالعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، والعمل لأخراه كأنه يموت غدًا .. فهل يبقى له بعد ذلك فراغ؟! إن استثمار الوقت فيما يفيد صاحبه والإسلام والمسلمين؛ يحتاج إلى إرادة قوية تنظم هذا الوقت، وتعتاد التنظيم، وترتضيه نمطًا يوميًا للحياة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت