فهرس الكتاب

الصفحة 14481 من 27345

هاني بن عبد الله جبير [*] 12/2/1427

(كفل الإسلام حريَّة الرأي والتعبير بمفهومها الإسلاميّ، وحرية الرأي والتعبير تعني: تمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق، وإسداء النصيحة في كل أمور الدين والدنيا، فيما يحقق نفع المسلمين، ويصون مصالح كل من الفرد والمجتمع، ويحفظ النظام العام، وذلك في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ومع اهتمام الإسلام بحرية الرأي والتعبير إلاَّ أنَّه حرص على عدم تحريرها من القيود والضوابط الكفيلة بحسن استخدامها، وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق جل وعلا، فهناك حدود لا ينبغي الاجتراء عليها وإلا كانت النتيجة هي الخوض فيما يُغضب الله، أو يُلحق الضرر بالفرد والمجتمع على السواء، ويُخل بالنظام العام وحسن الآداب) (1) .

ولهذا الحق المكفول طرق ووسائل توصِّل إليه، منها ما نص الشارع على عينه بإباحة أو تحريم، ومنها ما سكت عنها فلم ينص على اعتبارها ولا عدم اعتبارها، كوسائل الإعلام الحديثة .

ويرى كل متابع ما يحصل من تداعٍ كبير لتناول الأطروحات، وتبادل الآراء، وتعاطي الحوارات، كما يشاهد ما يسلكه كل ذي رأي من وسائل للتعبير عمَّا في نفسه ليستشعر أنه بذل شيئًا مما تبرأ به الذّمة مهما كان حال هذه الوسيلة.

والباحث الشرعي إذ يدرس أي نازلة أو يبحث في أي فكرة؛ فهمّه تنزيل الأحكام على الوقائع، ورائده تطلُّب الحق والبحث عن الدليل وإعمال الضوابط بعد استطلاع الواقع ونشدانه .

وفي هذه الأوراق القليلة نظرات عاجلة تبيّن ضوابط في هذا الموضوع؛ علَّها تكون مقدمة لدراسات أكثر جدًا وتوسعًا .

* أولًا: قواعد ومقدمات:

تحتاج كل حادثة إلى معرفة أُصول وقواعد يتفرع عن معرفتها وتقريرها بيان الحكم الشرعي لها، وسأتناول هنا مقدمات أصول أربعة:

الأولى: مجالات إبداء الرأي .

كل أمر جاء الشرع بحكمه بدليل من الأدلة، سواء كان متعلقًا بالعبادات أو المعاملات أو العقوبات أو العلاقات الشخصِيَّة، فهذا ليس للإنسان فيه إلا أن يعملبمقتضى الدليل ويتفقَّه فيه،"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب: 36] .

وهذا أظهر من أن يُستدل له ؛ إذ العبوديَّة لله تقتضي الامتثال لأمره . ومعنى الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا و بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ؛ هو التحاكم إلى منهاج الله تعالى ورد الأمر إليه، ولذا نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يستكمل هذا فقال:"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء: 65] .

وهذا أصل عظيم من أصول الإيمان، وهو معنى الإسلام، فإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام لله والانقياد له، ومن لم يرد إليه الأمر لم ينقد له . ودين المسلمين مبني على إتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وهي الأصول المعصومة التي لا يجوز تجاوزها أو الخروج عنها (2) . وعلى أساسها توزن جميع الآراء والأقوال والأعمال (3) . قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه" [الحجرات:1] ، قال الحافظ ابن كثير في معنى الآية: [أي لا تُسرعوا في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ - رضي الله عنه - حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله تعالى . قال صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله" (4) . فالغرض منه أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدَّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ("لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه": لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة". وقال مجاهد:"لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله تعالى على لسانه") (5) .

وعلى هذا الهدي في الرد إلى الكتاب والسنة وعدم مخالفتهما مهما ظهر بالرأي والفكر مخالفتهما للمصالح ؛ سار سلف هذه الأمة .

قال أبو الزناد - رحمه الله -:"إن السنن لا تُخاصَم، ولا ينبغي لها أن تُتبع بالرأي والتفكير، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين ، ولكنه ينبغي للسنن أن تُلزم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه" (6) .

ولذا كان مجال الرأي في الإسلام مجالًا محكومًا بالكتاب والسنة والإجماع ، فما قرر فيها فهو أصل معصوم لا يُخرج عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت