فهرس الكتاب

الصفحة 13466 من 27345

تفسير سورة المرسلات

الجمعة 20 شعبان 1397 / 5 آب 1977

( 4 من 4 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:

فقد ذكرنا لكم قبل ، ونحن نتحدث على هامش سورة المرسلات أن السورة الكريمة بالرغم ما سبقها مما تحدث عن اليوم الآخر فإنها تتميز بمذاق خاص ، إن القارئ ليدرك فروقًا واضحة سواء في طريقة الصياغة أم في طريقة تناول الموضوعات ، يدرك هذه الفروق عن التي سبق هذه السورة من سورة القارعة والقيامة والهمزة وبين سورة المرسلات ، ولقد أتيت بالحديث على بعض الأسباب التي حملت على هذا اللون من الكلام ، وأكمل لكي لا يسقط على الإخوة شيء من الأصول العامة التي يدور حولها كلامنا فأقول: إن لهجة السورة قد تغيرت فاتسمت بطابع الحدة لما سبق أن وقفه المشركون من مواقف رعناء تدل على أنهم فقدوا صوابهم ولم يستطيعوا أن يقفوا مع ما يقتضي به العقل والمنطق السليم ، فإزاء الطعون والهمز واللمز والتشكيك الذي واجه المشركون به محمدًا عليه الصلاة والسلام جاءت سورة المرسلات حادة اللهجة متميزة المذاق لأنها تردّ على موقف معين . ولكن دون إخلال ـ ولو بسيط ـ بحق العقل والحجة والدليل ، وجاءت تتناول الأمور من منحى جديد ، لأن مسألة اليوم الآخر والقيامة مما يدركه الإنسان بأيسر النظر ، ولكن الإنسان الجدل الكثير الخصومة واللجاج لا يريد أن يدع حجة ولا ذريعة تفلت من يديه لكي يرفعها في وجه المنادين بأحقية اليوم الآخر وبأنها واقع لا ريب فيه .

فاتجه الطعن والتشكيك إلى وصف من الأوصاف التي لا يكون الخالق خالقًا بغيرها ، إلى القدرة ، تشكك المشركون في هذه الإمكانية .. هل من الممكن والمستطاع أن تعود الأجسام بعد أن فنيت وبليت ؟ وكيف أن هذه الأجزاء أن تتجمع وتتناسق بعد أن تحللت وتفرقت وبعثرت الرياح كثيرًا منها وأكلت الأرض سائرها . إن المشكلة حين تحدد على هذا النحو فإنها تكون من غير ريب إهدارًا لقيمة العقل . وإعجاز القرآن وهذا الدين أنه يلزمك بالحجة ويقيم لك الدليل من ذات المسلمات التي تسلم بها أنت ، لا يأتيك بشيء يصدم موروثاتك ومعتقداتك ابتداءً ومن كل وجه .

فهؤلاء المشركون الذين أطالوا الحجاج والجدال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكرون أن الله ربهم ، إن هذه المسألة محل تسليك ، غاية ما في الأمر أنه ربما ذهابًا في التنزيه إلى حدود غير عقلانية كان تصورهم للذات الإلهية وما ينبغي لها من أوصاف تتصور في عليائه بعد أن فرغ من خلقه أصبح أعلى وأعز وأمنع من أن يصيخ لشكوى الشاكين وأن يستجيب لدعاء الداعين فكان لا بد بحساب تصوراتهم من وسائط وشفعاء ومقربين ، ومن هنا كانت الأوثان والأصنام وكانت الأنداد من كل ما عُبد مع الله أو من دون الله من طواغيت عرفتها الإنسانية في تاريخها الطويل .

إن لوثة الوثنية في التاريخ الإنسانية كله تنبعث من هذه النقطة ، عجز العقل الإنساني في مراحل معينة من انحطاطه عن إدراك القدرة التي لا بد أن يتصف بها الخالق . إن القرآن حين عرض في سورة المرسلات موضوع القدرة لو يبده العقل العرب والإنساني بغير ما يعرف ، فالذين عبدوا الأوثان والأصنام مما عملته أيديهم لا يجهلون أبدًا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك الإحياء ولا الإماتة ولا الرزق ولا منع العطاء . ويدركون أن من يملك ذلك كله هو الله ، وهؤلاء شفعاء ووسطاء وزلفى لا أكثر ولا أقل . والذين عبدوا الفراعين والطواغيت من دون الله ممن هم على مثالهم وشاكلتهم من بني البشر لم يجهلوا أبدًا أن الملوك الآلهة بشر يجري عليهم من أمر الله ما يجري على كل الكائنات التي خلقها الله . ولكنهم تصوروا حلول الذات الإلهية أو حلول جزء من الألوهية في هذه الذوات البشرية . إذًا فالمبدأ بين أيدينا سالم لم يتزحزح من مكانه ثمة قوة فوق هذه القوى ولا مشاححة في الأسماء ، ثمة القوة التي انبثق عنها الوجود وفاض عنها الكون وصدرت عنها الخلائف في ما بين الكاف والنون ، ثمة الله . هذا مطلوب ومسلم لدى المشركين الذين خوطبوا بالقرآن جميعًا ، فجاء القرآن يعتمد على هذا الأساس الذي لا يناقش فيه المشركون ليلزم هؤلاء المشركين من ذات الموقع الذي يعتقدونه بالحجة التي يريد أن يسوقها إليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت