فهرس الكتاب

الصفحة 21816 من 27345

أ. د .ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: ما فتئ أهل البدع يطلون بقرنهم ملبسين في كل حين فترة وانقطاع من أهل العلم الذين ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وإذا كان الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، مجمعين على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم -نعوذ بالله من فتن المضلين- إذا كانوا كذلك فلا عجب أن ينسبوا لأهل العلم ما هم منه برءاء، ولا عجب كذلك من تعلقهم بحروف عجيبة من أجل نصرة الآراء والأهواء.

وكلامنا هنا عما بدأ يشيع ويذاع في الآونة الأخيرة عن دعوة الشيخ المجدد الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- ومن بعده أتباع دعوة التوحيد من الأئمة المرضيين، وليس ذلك غريبًا أو جديدًا، بل قد بدأ الكلام في الإمام ودعوته مع بزوغ فجر هذه الدعوة المباركة، وهذه سنة الله في الذين خلو من قبل، فما من صاحب دعوة حق إلاّ أوذي وعودي"وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّك مَافَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْه وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُون"، وقال:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا"، وهكذا أتباع الأنبياء فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كما ثبت عند البخاري وغيره.

ولكن الجديد هو عودة الطعن في هذه الدعوة من المعاصرين، بل من أناس تنكروا لفضلها فصوبوا سهامهم وسلوا أقلامهم فيمن علمهم العقيدة والتوحيد، متناسين تاريخًا مظلمًا من الشرك والانحطاط عاشه من سبقهم، لم يشهدوه ولم يكونوا رجاله بعد أن من الله عليهم بدعوة التوحيد.

هذا مع أنهم يرون النصال تتكسر تلو النصال دون أن تصاب تلكم الدعوة المباركة بأذى، بل يرون كيف قامت بفضلها دولة إسلامية عجزت عن إقامتها زرافات وجماعات، بل يرون كيف قامت بها الدولة ابتداءً، ثم لما سقطت الدولة عادت بها فقامت ثم سقطت أخرى فقامت، وفي هذا مصداق كلمة ابن خلدون في تاريخه ومقدمته التي قرر فيها أن لكل دولة عصبية تقوم عليها، قال:"العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه، وقدعلمنا أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون متغلبًا عليهم بتلك العصبية، وإلا لم تتم قدرته على ذلك"، ثم قال:"إذا استقرت الدولة وتمهدت قد تستغني عن العصبية والسبب في ذلك أن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلبة للغرابة، وأن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه، فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدًا بعد آخر في أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية، واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة، ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالهم على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة، بل كأن طاعتها كتاب من الله لا يبدل ولا يعلم خلافه، ولأمر ما يوضع الكلام في الإمامة آخر الكلام على العقائد الإيمانية، كأنه من جملة عقودها، ويكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة، إما بالموالي والمصطنعين الذين نشؤوا في ظل العصبية وغيرها، وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها."

ومثل هذا وقع لبني العباس، فإن عصبية العرب كانت قد فسدت في عهد دولة المعتصم وابنه الواثق، واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم، ثم تغلب العجم الأولياء على النواحي وتقلص ظل الدولة فلم تكن تعدو أعمال بغداد، حتى زحف إليها الديلم وملكوها، وصار الخلائق في حكمهم، ثم انقرض أمرهم وملك السلجوقية من بعدهم فصاروا في حكمهم، ثم انقرض أمرهم وزحف آخر التتار فقتلوا الخليفة ومحوا رسم الدولة"."

وحتى لايسهب بنا المقام ألخص أسباب فتح هذا الملف لدعاوى المعاصرين على دعوة الإمام في النقاط التالية:

1-بيان خطر إسقاط هذه الدعوة التي نجحت في إقامة دولة، وأن نهايتها تعني نهاية الدولة كما قرر ابن خلدون.

2-بيان خطأ المنتسبين إليها ممن يسعون إلى إسقاطها بقصد أو بغير قصد، وتنبيه العقلاء لئلا يكونوا أدوات يحركها الغربي متى شاء وكيف شاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت