فهرس الكتاب

الصفحة 15942 من 27345

ذكرى المعراج.. وعصر الفضاء

د. منير محمد الغضبان *

هذا القرن، قرن الفضاء، ابتدأ عام 1903 من الأخوين رايت حيث كانت أولى رحلاتهما في الطائرة في 17/12/1903، ومضت في النصف الثاني من هذا القرن حيث تم الدوران حول الأرض، وإنزال أول إنسان على القمر، وأشرفت على الذروة في إرسال سفينة الفضاء غاليليو في مدارها حول المشتري بعد رحلة استمرت ست سنوات قطعت خلالها 3.7 بليون كم، وهلل العاملون في معمل الدفع النفاث لدى دخولها الغلاف الجوي للمشتري عام 1996، ووصف لورانس جونس - وهو عالم يعمل في المشروع منذ وافق عليه الكونغرس عام 1977- ما تحقق بأنه خطوة كبيرة تقربنا من نهاية الزمن، ومن ثم فإن البيانات التي سيرسلها المعمل إلى السفينة الأم، ومن ثم إلى الأرض ستساعد في معرفة كيف تكونت المجموعة الشمسية، وكيف تطورت، وقال بأن رحلة غاليليو مهمة للغاية للجنس البشري من أجل فهم كيف تطور كوكبنا نفسه، وما ندري ماذا يحمل قرننا الجديد في طياته.

هذا ما عرفته البشرية حسًّا في هذا المجال أما ما رآه علماء الفلك في هذا الكون، وحدثونا عنه فهو أن المشتري جزء من المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية جزء من ملايين المجموعات الأخرى المتناثرة في هذه المجرة، بعدما بيّن هذه المجموعة، وأقرب نجم إلينا أربع سنين ضوئية، وملايين المجموعات هذه تسبح في مجرة قطرها 100.000 سنة ضوئية يمكن أن يرى من نجومها 6000 - 9000 نجم، وقد تبلغ نجومها نحو مائة مليون نجم، وأما المجرة الثانية التي هي أقرب المجرات إلينا فتبعد 750.000 سنة ضوئية، والسنة الضوئية 6.5 مليارات ميل، ويبلغ عدد المجرات هذه مائة مليون مجرة، وهذا كله في السماء الدنيا التي قال الله تعالى عنها:

)ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، وجعلناها رجومًا للشياطين، وأعتدنا لهم عذاب السعير(.

فأين البشرية حتى اليوم من هذه الكواكب والمجرات التي تملأ الأفق، وإنها لا تزال مثل الطفل الذي بدأ يحبو خارج غرفته، وكان يتصور العالم هذه الغرفة التي يحيا بها.

لكن هذه البشرية تتناسى خالق هذه المجرات، وتتناسى أو تجحد وهي تؤرخ بمرور عشرين قرنًا على ميلاد المسيح، تتناسى أن هذا المسيح عليه السلام الذي تؤرخ به بصفته أعظم أحداثها أنه قد مضى بروحه وجسده متجاوزًا هذه العوالم:

)وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، مالهم به من علمٍ إلا اتباع الظنّ، وما قتلوه يقينًا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا(.

توفاه الله تعالى إليه ولم يعد، وبعد قرون جاءنا الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم ليحدثنا عنه، وكان الحادث الأكبر في تاريخ البشرية أن رجلًا منها هو سيد خلائقها على الإطلاق، اختاره الله تعالى ليلتقي به فوق السماوات العلا، وفوق مجرات السماء الدنيا، في ليلة من أسعد ليالي البشرية، ثم يعود إلينا ليحدثنا عما رآه في رحلته الخالدة، وكان هذا قبل نحو خمسة عشر قرنًا من تاريخ هذه البشرية، وهذا الاصطفاء لم يحصل لأحد قبله، ولن يحصل لأحد بعده.

إن كل صور غاليلو تحدثنا عن جمادات وتربة مثل أرضنا، ولم تلق بشرًا، ولا كائنًا ولا مخلوقًا إلا هذه الجمادات، أما المعجزة الخالدة في تلك الليلة الخالدة التي أراد الله تعالى بها أن يكرم البشرية فيصطفي واحدًا منها إليه، يرفعه بجسده وروحه، وينقله عبر سماواته، ويجمعه مع إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وتحتفل الملائكة في السماوات بمقدمه، ثم يقف جميع الخلق بمن فيهم النبيون والملائكة عند حدٍ لو تجاوزوه لاحترقوا، ليصل المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ويتجاوزها بينما يقف جبريل رفيقه في الرحلة عندها، ويلتقي مع ربه عيانًا، وحده من دون الخلائق، ويُسمح له بالعودة إلى الأرض ليحدثهم عن الكون أرضه وسماواته وجنته وناره وملائكته وقد رآها بعينه، وقد هُيئ لهذه المقابلة بشق صدره قبل تحركه، حتى يحدثهم عن هذه الأمور لا بما أوحي إليه فقط علمًا من علم الغيب، بل يحدثه علمًا من عالم الشهادة الذي رآه، ويقطع مقولات الملحدين والكافرين المجرمين، حول وحدانية الله تعالى، وإنه هو الوحيد الذي أُهّل ليكون دليل البشرية كلها في رؤية عالم الغيب، سماواته وملائكته، ورسله وجنته وناره، ويعود ليخبر أمته بما رأى، ولنسمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو أصدق البشر يروي لنا أحداث رحلته هذه، وهي التي تجحدها البشرية ولا تلقي لها بالًا:

التهيؤ للرحلة:

بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحِجْر (حول الكعبة) مضطجعًا إذ أتاني آتٍ قال سمعته يقول: فشق ما بين هذه وهذه، فقلت للجارود وهو جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته -فاستخرج قلبي، ثم أُتيتُ بطست من ذهب مملوءة إيمانًا فغسل قلبي، ثم حُشي، ثم أعيد.

ابتداء الرحلة:

ثم أُتيت بداية دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحُملت عليه.

إلى بيت المقدس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت