في إحدى حفلات التخرج في كلية الهندسة قال الأستاذ وهو يسلم إحدى الخريجين شهادة التخرج:
* هذا الأمر القرآني المتحضر يحتوي على دعوة من المولى عز وجل للأمة بان تتحلي بثقافة السؤال . وهذه الآية- كما يقول العلامة بن سعدي -"وإن كان سببها خاصا فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين, أصوله وفروعه, إذا لم يكن عند الإنسان علم منها, أن يسأل من يعلمها. ففيها الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم". لذلك فالسؤال عبادة . عبادة يجب أن تفعل في واقع حياة الأمة . فالله عز وجل حينما أمر بسؤال أهل الذكر, وأهل العلم, وأهل الدراية, وأهل الاختصاص - كل في مجاله - إنما كان يدعو الأمة المسلمة إلى أن تجود, وتطور, وتحدث حياتها على وجه الأرض باستمرار من خلال تفعيل عبادة"فاسألوا"عند أبناء الأمة . وذلك عن طريق تحفيز العقليات المتسائلة في الأمة لتتساءل , وتتناقش , وتتحاور, وتبحث , وتستخلص أفضل الإجابات التي تساهم في تطوير وتحسين حياة الفرد, والمجتمع, والأمة جمعاء .
فمن المعروف إن الأمم تشيخ, ومن ثم تموت إذا جبل أبناؤها وربوا على تعطيل عبادة السؤال فيما بينهم .والتاريخ خير شاهد , ولطالما أخبرنا أن الأمم التي أراحت عقول أبنائها من التحلي بهذه العبادة إنما أصابها الجمود, وتعمق فيها التخلف , وعشش على جدرانها الانحطاط . والأخطر من هذا أنها أصبحت ميدانا خصبا لترعرع الأفكار والآراء والنظريات الهدامة التافهة . كما وأصبحت أكثر استعداد لتقبل الغزو الفكري والثقافي والإعلامي الخ دونما أية مقاومة من أي نوع .
أما حينما تحيي الأمة عبادة السؤال , ويتحلى أبناؤها بالعقلية المتسائلة , فإنها بذلك تنمي معارفها , وتثري علومها , وتنعش حفائظ علمائها ومثقفيها ودعاتها وأهل الخير فيها كل في مجاله . كما وتفتح الباب واسعا للإبداع والاجتهاد .فشيوع ثقافة السؤال تهدم الكثير من المسلمات المتخلفة في مجتمعاتنا . وتطرد البديهيات المنحرفة . وتفكك الكثير من الآراء السلبية لدى العامة .كما و تعمل على توليد المزيد من الأفكار المتحضرة التي تساهم في تطوير واقعنا الذي نحياه . لتستمر الحياة على الأرض بالطريقة التي يريدها الله عز وجل
يقول عبد الله بن نجاد العتيبي
الإنسان والأمم والحضارات كلها تمرّ بمراحل من القوة والضعف، والعلم والجهل، والنجاح والفشل، لكنني أحسب أن معارج القوة والعلم والنجاح لا ترتقيها الشعوب والحضارات إلا بأجنحة التساؤل التي تمتد لتشمل الآفاق والأنفس. (وأحسب ) أن دركات الضعف والجهل والفشل لا تهوي في البشر والأمم إلا وهم مثقلون بأرتال الإجابات الباردة وجنائز الأسئلة الموءودة )
ويقول الفيلسوف الألماني نيتشه:
من أراد أن يرتاح فليعتقد، ومن أراد أن يكون من حواريي الحقيقة فليسأل .
ويقول انطوني روبنز:
لقد أدركت أن بان الفرق الأساسي بين الأشخاص الذين حققوا نجاحات- في أي ميدان من الميادين - وأولئك الذين لم يحققوا مثل هذا النجاح هو أن الأشخاص الناجحين وجهوا أسئلة أفضل وبالتالي توصلوا لإجابات أفضل توصلوا إلي إجابات منحتهم القوة لكي يعرفوا ماذا يفعلون في أية وضعيه يجدون أنفسهم فيها لكي يحققوا النتائج التي يطمحون في تحقيقها
لذلك يجب أن ندرك و نؤمن بأن الأسئلة الجيدة تخلق حياة جيدة .وأن حياتنا على الأرض ما هي إلا انعكاس لما يشغلنا من تساؤلات . ولنسترجع سويا نشأت ذلك الفتى الذي كان يدعى روزبه بن خشنودان. ذلك الفتى الذي كان يعبد النار في بلاد فارس . إلا انه كان يشعر بتفاهة هذا المعبود . وظل يؤرقه سؤالا:
= أين الحقيقة ؟
= وما هو المعبود الحق في هذا الوجود ؟
= وما هو الدين الصواب على وجه هذه البسيطة ؟
اخذ يسال.. ويسأل .. ويتنقل .. ويتتبع ..ويقتفي اثر الحقيقة المفقودة . وفي سبيل ذلك قطع آلاف الأميال من بلاد فارس إلى بلاد الشام. تنقل ما بين الموصل , ونصيبين , وعمورية. ثم استقر به المقام في وادي القرى ما بين الشام والمدينة . وبعد هذا البحث شاء الله له أن يذهب إلى يثرب. وهناك تعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم .الذي أضاء له الطريق ووضح له الحقيقة كل الحقيقة .