المثال الأول: الصلاة بين التريض والتعبد:
ما أكثر ما نسمع ونقرأ لمن يقول: إن حكمة تشريع الصلاة أو من حكم تشريعها أنها رياضة بدنية يستفيد منها الجسم .
فهل يعقل أن يكون الهدف من تشريع الصلاة هو هذا ، أو حتى من أهدافها ؟
الصلاة التى تصل العبد بربه ، وتغذى روحه ، وترتقى بها بعيدًا عن شهوات البدن ورغباته ، لا يجوز ـ من وجهة نظرى ـ أن نتدنى بها إلى هذا الحد ، ولو كان التريض وسيلة للتعبد ، لكان من بين التكاليف أن نمشى أو نهرول أو نجرى كل يوم مسافة معينة ، فذلك أنفع للجسم من حركات الصلاة .
المثال الثانى: هل الصوم شرع حقا لكى يحس الغنى بجوع الفقير؟
وذلك أننا كثيرا ما نسمع ونقرأ لمن يقول: إن حكمة تشريع الصوم أن يشعر الغنى بجوع الفقير0 وهو كلام جميل طيب ، ولكن لا يعضده أن الصوم مفروض على الفقير أيضًا ثم ماذا يقال بعدما غرض القرآن نفسه فرضية الصوم وأنه بلوغ رتبة التقوى قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة:183) .
المثال الثالث: هل الحكمة من مشروعية الوضوء مجرد النظافة ؟
وذلك أننا كثيرا ما نسمع ونقرأ لمن يقول: إن الحكمة من تشريع الوضوء هى النظافة ، ولست أدرى ماذا يقول صاحب هذه الدعوى في بديله ، وهو التيمم ؟
والواقع أن كل ما قيل في ذلك هو حق لا ينكر ، والاعتراض فقط هو على وصفه بأنه حكم للتشريع ، والأجدر أن يطلق على مثل هذا أنه فوائد مترتبة على التشريع ، لأن الحكمة هى التى تصلح أن تكون جوابا عن هذا السؤال"ما الهدف من تشريع حكم كذا ؟"فحيثما صلحت الإجابة عن هذا السؤال وكانت مقنعة ، جاز لنا اعتبار هذا المذكور من حكم تشريع الحكم فيما يبدو لنا نحن البشر ، وتبقى الحكمة الرئيسة معلومة للمشرع0
إن المؤمن قوام إيمانه الإذعان لله والقبول لأحكامه ظهرت الحكمة أو لم تظهر ، قال تعالى:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" [ البقرة: 285 ] ، وقال سبحانه:"إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا" [ النور: 51 ] .
وكاتب هذه السطور يكرر تأكيده أنه لا يعارض الكشف عن الحكمة من التشريع أو البحث عنها بل يدعو إلى ذلك كله بشرط عدم التكلف في هذا الأمر عندما تكون الحكمة غير ظاهرة - وبالأخص في الأمور التعبدية التى يتعذر الوقوف على حكمتها إلا من يقيننا أنها إذعان لله وخضوع له ، وذلك وحده يكفينا - وإلا فقل لى بالله عليك لماذا رخص في الفطر للمسافر وإن كان سفره في منتهى الرفاهية والدعة ، ولم يرخص في ذلك لأصحاب الأعمال الشاقة كالفرَّان ، والفلاح الذى يفلح في أرضه ، والعامل في حقل البناء وتشييد العمائر؟!!
ما مكمن الخطر في المغالاة والإسراف في التعلق بحكم التشريع ؟
مكمن الخطر في هذا الأمر هو أن يعلق العبد قبوله لأحكام الله ـ عز وجل ـ على ظهور الحكمة أو العلة ، فإن هذا لا يتحقق دائمًا ، بل إن ما لم يظهر لنا من هذه الحكم لهو أكثر بكثير مما ظهر ، والمؤمن الحق هو الذى يقبل على حكم الله ظهرت حكمته أو لم تظهر ، وفى التعبد من الطواعية والإذعان مما لم تعرف حكمته ، ولا تعرف علته كما يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام: ما ليس فيما ظهرت علته ، وفهمت حكمته ، وفائدته ، لأن المتعبد لا يفعل ما تعبد به إلا إجلالًا للرب ، وانقيادًا لطاعته ..." ( ) "
والله الهادى إلى سواء السبيل