إن المتأمل في التعليم السائد اليوم سواءً كان على مقاعد الدراسة، أو حتى في حلق العلم ودروس المساجد يرى أن هناك إهمالًا عند الكثير في العناية بتعليم الرقائق والأدب والسلوك، وأنهم شغلوا كثيرًا بتعلم المسائل والخلافيات وآراء الرجال، وصار الحديث في هذه القضايا من اختصاص الوعاظ القصاصين وحدهم، لذا غلبت علينا قسوة القلب، وفعلت الأهواء بنا ما فعلت إلا من رحم ربك، وهذه إشارات عاجلة تؤكد أهمية العناية بهذا الجانب من العلم، وضرورة تقريره ضمن مناهج التعليم إن كنا نريد أن تخرج لنا هذه البرامج علماء ربانيين.
إن هذا المطلب الملح تدفع إليه الحقائق الآتية:-
أولًا: طالب العلم داعية ومعلم بفعله قبل قوله
إن طالب العلم وهو يسعى لنشر الخير والعلم لدى الناس، لايقف دوره على مجرد تيلبغ المسائل بقوله، بل يجب أن يرى الناس ذلك من خلال سلوكه وسمته.
لهذا قال أبو العالية:"كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء لم نأخذ عنه" ( [1] )
بل كان السلف يعدون تعلم هدي العالم وسمته مطلبًا أعلى من تعلم المسائل، قال إبراهيم:"كنا نأتي مسروقًا فنتعلم من هديه ودله" ( [2] )
وقال ابن سيرين:"كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" ( [3] )
وروى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن:"نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث" ( [4] )
وأوصى حبيب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال:"يابني اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم؛ فإنه احب إلي من كثير من الحديث" ( [5] )
فكم يترك أثرًا على تلامذته، وعلى عامة الناس من خلال هديه وسمته، وسلوكه وعمله، بل وكم يمحو الخلل في سلوكه الكثير الكثير مما يدعو الناس إليه بقوله.
ثانيًا: عوائق في وجه طالب العلم
يتعرض طالب العلم لمزالق خطيرة وعوائق تعرض له كما تعرض لسائر الناس، بل هي ربما كانت في حقه أخطر ومنها:-
1 -الإعجاب بالنفس، وهذا عافنا الله عنوان الضلالة وبداية الشطط والانحراف، وليس أدل على ذلك من أن الشيطان إنما طرد من رحمة الله وكتبت عليه اللعنة إلى يوم الدين بسب العجب والغرور الذي قاده للاستكبار عن أمر الله.
قال الغزالي:"والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم، ومحل استقرارهم، والصفات الرديئة مثل: الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها، كلاب نابحة، فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب" ( [6] )
2-الحسد، وهو خصلة ذميمة وصفة قبيحة يسعى الشيطان إلى إهلاك الصالحين بأن يقذفها في قلوبهم.
3 -الهوى، وحين يستحكم بصاحبه يريه الحق باطلًا، والباطل حقًا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
4 -لبس الحق بالباطل وكتمان الحق ولهذا أخذ الله المواثيق على الذي آتاهم العلم (( وإذ أخذ الله ميثاق الذين آتوا الكتاب لتبننه للناس ولا تكتمونه ) )وتوعد الذين يكتمون العلم فقال (( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) )ولم يقبل تبارك وتعالى توبة هؤلاء إلا بشرط البيان فقال (( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) )
5 -التوصل بالعلم للأغراض والمكاسب الشخصية، ولهذا توعد الله تبارك وتعالى أمثال هؤلاء الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا (( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولايكلمهم الله يوم القيامة ولايزكيهم ولهم عذاب أليم.أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما اصبرهم على النار ) )ولله در الجرجاني رحمه الله حين قال:-
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلمًا
إذا قيل هذا مورد قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الضما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة إذًا فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
وليس المقصود هنا تعداد الآفات التي يمكن أن يقع فيها طالب العلم، فهذه أمثلة تدل على ما سواها، ونماذج تذكر بأخواتها، فما السبيل لتجاوز هذه الآفات؟ وما الطريق لاجتنابها؟ وهل نحن نعلم طالب العلم مايكون له وسيلة لتجاوزها؟ أما أننا نعنى بإعطائه الأداة ونهمل بناء النفس التي تحمله؟
ثالثا: صفات أهل العلم في القرآن
إن التعلم يهدف للرقي بالمرء إلى منازل أهل العلم، فما صفاتهم في كتاب الله عز وجل؟