أ- فهم يسجدون لله ويخشعون ويبكون حين يسمعون آياته (( قل آمنوا به أو لاتؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليه يخرون للأذقان سجدًا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا ) )إنه ليس هديًا خاصًا بهذه الأمة؛ بل هو سنة في من كان قبلنا.
وقال عبدالأعلى التيمي:"من أوتي من العلم مالايبكيه لخليق أن لايكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم قرأ القرآن (( إن الذين أوتوا العلم... إلى قوله ... يبكون ) ) ( [7] ) "
ب - والعلماء هم أهل الخشية لله سبحانه وتعالى (( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ إن الله غفور رحيم ) )
ج - والذين يعلمون يقنتون لله سجدًا وقيامًا، يحذرون عذابه ويرجون رحمته (( أم من هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ) )
أليس من واجب طالب العلم أن يتصف بهذه الصفات، وأن يتطلع إلى هذه المنازل؟ فهل في تعليمنا ما يحققها لديه ويغرسها في نفسه؟ ونعوذ بالله إن كان فيه ما يمحو بقية أثرها ويزيله فهذا عنوان البوار والهلاك.
رابعًا: العناية به في عصر النبوة
ويصور لنا ذلك أحد شبان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم، وأنهم كانوا يعنون بتعلمه، فعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا ( [8] )
فهو يذكر لنا رضي الله عنه جانبًا هامًا من جوانب التعلم والتي قد غفل عنها كثير من طلبة العلم اليوم، فأهملوا تعلم الإيمان ومسائله، وشعروا أن العلم إنما يتمثل في تعلم مسائل الأحكام وحدها، والعناية بجمع آراء الرجال واختلافهم حول مثل هذه المسائل، ونسي أولئك أصل الأصول وأساس الأسس، لذا فلا نعجب حين ندرك هذا الخلل أن نرى عدم التوافق بين ما يحمله بعض الناس من العلم وبين سلوكه وسمته.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال:"هذا أوان يختلس العلم من الناس، حتى لايقدروا منه على شيء"فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يارسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا. فقال:"ثكلتك أمك يازياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فما ذا يغني عنهم؟"قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قال: قلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا ( [9] )
وانظر رحمك الله كيف عد عبادة بن الصامت رضي الله عنه الخشوع علمًا، وأنه أول علم يرفع.
ويحكي لنا حنظلة رضي الله عنه صورة من مجالسهم مع النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث إذ يقول:"لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"وما ذاك؟"قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"ثلاث مرات ( [10] ) "
والشاهد من الحديث أن تلك المجالس التي كانوا يجلسون فيها مع النبي صلى الله عليه و سلم كانت تبلغ بهم إلى هذه الحال.
خامسًا: عناية السلف به
ولقد كان السلف رضوان الله عليهم يعنون بذلك فهاهو ابن مسعود رضي الله عنه يقول:"ليس العلم بكثرة الروية، إنما العلم خشية الله" ( [11] )
ومالك رحمه الله يقول:"العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل" ( [12] )
وقال أيضًا:"إن حقًا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لأثر من مضى قبله" ( [13] )
وقيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه ( [14] )
ولعل من صور عناية السلف به أنك لاتكاد تجد كتاب حديث يخلو من أبواب الزهد والأدب والرقاق، بل وصنفوا مصنفات خاصة في ذلك (كالجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب ، والمحدث الفاصل للرامهرمزي، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر، وأخلاق العلماء، وأخلاق أهل القرآن كلاهما للآجري)