فهرس الكتاب

الصفحة 8530 من 27345

الطبيعة الإنسانية في التصور الإسلامي ...

المغرب - ملاك المصطفى

حظى موضوع «الطبيعة الإنسانية» بأهمية بالغة في الحقل التربوي الحديث والمعاصر.فقد سعى كثير من المربين والفلاسفة إلى تحديد الآليات التي تكوّن عناصر الكائن الإنساني الظاهرة منها والباطنة. وقد كان هاجس تفسير طبيعة السلوك الإنساني موضوعًا للدراسة من قبل العلوم النفسية والاجتماعية والأنثربولوجية. غير أن الاهتمام العلمي والفلسفي على اختلاف التوجهات النظرية والأيديولوجية لم يكن اهتمامًا متجانسًا. الشيء الذي يفسر حقيقتين مهمتين: صعوبة ضبط السلوك البشري، ثم استحالة وضع تفسير واحد وموحد للظاهرة الإنسانية التي تتداخل فيها مجموعة معطيات بيولوجية وفيزيولوجية وعقلية وغيرها من آليات التشكيل الإنساني. وتأسيسًا على هذه المعطيات نطرح الأسئلة التالية: ما هي الخصائص الحقيقية التي تميز الفعل الإنساني؟ هل هناك تفسير علمي وديني مقنعان لتصرفات الإنسان ووجوده التاريخي؟ ما هي مظاهر التي تميزه عن غيره من الكائنات؟

لقد حاولت بحوث علمية على اختلاف فروعها اكتشاف هذا اللغز البشري الذي أصبح موضوعًا للدراسة. كما نُظر إلى الإنسان باعتباره شتاتًا من العناصر التي تتحكم في بنيته العضوية والنفسية. ولذلك وجدنا طرائق قددًا في المجال العلمي: فالبيولوجيا نظرت إلى الإنسان كعناصر عضوية هي التي تتحكم في قواه العقلية والعاطفية. والسيكولوجيا نظرت إليه بمثابة خزان من ردود الأفعال نحو مثيرات خارجية أو غرائزية، كما أن علم الاجتماع فسر الإنسان انطلاقًا من بنى اجتماعية تحتية هي التي توجه سلوكه اللغوي والعلائقي مع الآخر، في حين اعتبر علم الأجناس الإنسان عبارة عن حمولة من الموروثات العضوية والعوائدية، إلى غير ذلك من فروع المعرفة العلمية الأخرى.

وقد اتفقت جل هذه العلوم حول مسألة واحدة هي غموض هذا الكائن وغرائبية سلوكاته سواء الغريزية أو المكتسبة. ولذلك اعترفت هذه العلوم بصعوبة امتلاك الخصائص التي تكوّن الفرد وصعوبة التحكم فيها أو توجيهها بشكل مبسط. ويمكن تفسير هذا اللغز والغموض في الظاهرة البشرية بكون الإنسان معجزة إلهية في طبيعة الصنع الخارجي، وفي الآليات الداخلية العصابية والعقلية والنفسية. ولذلك نجد في القرآن الكريم تذكيرًا غير ما مرة بأصل الإنسان وبمراحل الحمل والولادة ثم الموت والبعث. وهذا التحكم الرباني في الإنسان يظهر في قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعام ماتوسوس به نفسه} [ق: 16] ثم إن السؤال التقريري في قوله عز وجل: {ألم نجعل له عينين* ولسانا وشفتين* } [البلد: 8 ـ 9] .

يؤكد أن هذه الأعضاء الخلقية هي مصدر التحرك السلوكي. فالعين ليست فقط وسيلة للمشاهدة ولكنها كذلك عقله الذي يرى به وعاطفته التي تحيي إليه اللذة وتشكل مجموعة مواقف عصبية.

في حين يبقى اللسان هو الأداة التي تنقل إلى الآخرين لغة العين من الناحية المرئية والتأملية.

وبذلك نجد أن العين في القرآن الكريم تصبح حجة على صاحبها يوم القيامة: {إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاْ} [الإسراء: 36] .

فإذا كانت النظرية العلمية قد اعتبرت الإنسان لغزًا رغم معرفتها بالتشريح العضوي وبالخلايا والجينات، فإنها إنما تقر بعدم القدرة على التحكم في مجموعة عناصر منها:

ـ دواخله النفسية.

ـ ما تحدثه به إحساساته وخواطره الباطنية.

ـ نواياه الحسنة أو القبيحة.

ـ إخلاصه ـ شروده ـ تناقضاته الداخلية.

وهذا العجز عن إدراك مكونات الإنسان في شموليتها خلق شتاتًا في العلوم الإنسانية، وطرح مجموعة أسئلة: هل الفعل الإنساني خيّر أم شرير؟ وما العناصر التي تتحكم في سلوكاته؟ هل هي عصابية؟ غريزية؟ اجتماعية؟. وهذا الاختلاف في تقدير قوى الإنسان وفهم سلوكاته يكشف محدودية العلم وقصور المعرفة الإنسانية. وفي هذه الحالة نطرح هذا السؤال في وقت لا نملك فيه إلا التساؤل: هل يمكن للقرآن الكريم أن يمارس على الإنسان خطابا إقناعيًا ترغيبيًا وترهيبيًا دون معرفة دقيقة بآلياته النفسية؟

قبل البحث في هذه الإشكالية سأعرض لنموذجين علميين أثرا لفترة زمنية طويلة، على الساحة العلمية، وما زالت رواسبهما ظاهرة في بعض النظريات. إنهما علم الاجتماع الماركسي وعلم النفس الفرويدي.

1ـ نظرية فرويد (1) :

رأى فرويد أن طبيعة الإنسان يتحكم فيها الجانب الذاتي الحيواني، وأن الأخلاق والدين يجهضان الغريزة الحيوانية في الإنسان. كما أنه يعتبر التطور البشري موازيًا لتطور الغرائز.

إلا أن المعاناة في نظره تعود إلى تلك القيود الأخلاقية التي تمثل عائقًا كبيرًا داخل اللاشعور.

وبذلك ينقسم الإنسان في نظره إلى شخصيتين: شخصية مقنعة حاضرة وشخصية مكبوتة غائبة.

والحضارة عند فرويد تقوم على مبدأ التنازل: تنازل الفرد عن ميولاته ولذائذه التي لا حد لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت