الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح
"صيف من نوع آخر"موضوع حديثنا، ونحن في أوائل هذا الصيف وإجازته الممتدة لأشهر متعاقبة، ولعل أظهر وأبرز ما في الصيف من الناحية الحسية الملموسة، حرّه الشديد الذي يفزع منه الناس إلى الهواء البارد من المكيفات، أو إلى السفر إلى بلاد فيها اعتدال من الطقس، ولا شك أنه لو تأملنا وأردنا أن ننتقل إلى صور أخرى ونمط آخر فإن ثمة ما سيدعونا إلى التأمل والتفكّر والتدبر، سنرى ما يجعلنا نعيد حساباتنا، ونصحح مساراتنا، ونجمع ونطرح أرقامنا، حر شديد أنتقل بكم إلى صيف آخر كان فيه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وكانت معه الكوكبة المشرقة المنيرة من أصحابه رضوان الله عليهم، وكان الوقت في شدة حر الصيف، في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، حين يشتد الصيف يحين أوان نضج الثمار، ويكون الأمر الذي يقعد الناس إلى الأرض ويجذبهم إلى الزرع، ويربطهم إلى التجارة، وإلى نعم الله عز وجل، وهناك في هذه الظروف والملابسات، كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد في أبعد شقة وأطول مسافة، وفي أشد أوقات العام حرا وحرارة، وفي أكثر الظروف المادية صعوبة وضراوة، وهنا نجم النفاق المخذل، والضعف الظاهر، فقال المنافقون قولتهم: {وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرًا} .
انظروا إلى ذلك الصيف كيف كان الخروج من حرّه إلى حر أشد في مواجهة أعظم قوة توجهت إليها جيوش النبي صلى الله عليه وسلم، انظروا إلى التصوير الذي يرويه لنا أبو خيثمة رضي الله عنه عندما تجهز المسلمون وبدءوا في الانطلاق والمسير، في أول الصيف، وكان هو له زوجتان، وعندهم بستان، وقد دنت القطاف وتدلت الأعذاق، واستوت ثمار النخيل، وإذا به يتأخر في التجهز، وإذا بالجواذب تشغله عن الانطلاق، وإذا بمراعاة الزرع والثمار يجعله يسوف في تلك الأوقات حتى جاء يوم قد اشتد حره وأقبل أبو خيثمة إلى بستانه، وإذا كل امرأة من امرأتيه قد هيأت له ماء باردا ورشت له عريشا من الشجر المخضر المظلل، وقف ينظر إلى ذلك وهنا جاءت المفاضلة بين صيف وصيف، وبين حال وحال، فقال:
"رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في الضح -أي في شدة الحر- مجاهدين في سبيل الله وأبو خيثمة مع زوجتيه في الماء البارد، والله لا أدخل حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم".
انتصر إيمانه وانتصر صيفه الذي وجهه لأمته ودينه وغايته ورسالته والذي شعر فيه بدوره في هذه الأمة في مواجهة المخاطر والصعوبات، فخرج يلحق النبي صلى الله عليه وسلم وجاءته البشارة من بعد بما أثنى به عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أجواء هذه المعركة والغزوة العظيمة تنزلت آيات كثيرة شغلت مساحة واسعة من سورة التوبة { وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًا } .. { يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } .
تأمل هذه الصورة القرآنية البليغة وهي تعبر عن الجواذب الأرضية المقعدة عن الانطلاقة الإيمانية السماوية، وهي تصور لنا ذلك في أحداث السيرة كما في قصة هذا الصحابي الجليل.
ونرى حينئذ صورا كثيرة من صيفنا هذا بحره لا في المكيفات ولا في أجواء السياحات، بل هناك في أرض الإسراء تتجدد مرة أخرى صور صيف من المواجهة لأعداء الله والثبات على دين الله، والإعلاء والإعزاز لدين الله، وصور تجدد لنا ذلك الموقف وتلك الصور، كأنما تحي فينا هذه المعاني، صيف مواجهة واستمرار مجابهة ومضي على جهاد ومقاومة في ظل ظروف صعبة مجتمعة في كل ما يمكن أن يبلغ بها الغاية العظمى في شدتها وقسوتها وضراوتها، غير أنها بإذن الله عز وجل لم تنل من إيمانهم ويقينهم وثباتهم، ليجددوا لنا تلك الصورة ولنسمع مرة أخرى من يقول لا تنفروا في الحر، ومن يقول أو يصور لنا تلك الصورة {أثاقلتم إلى الأرض} .
ويوم نرى تلك الجواذب وهي تتخطف الناس يمنة ويسرة في هذه الصورة نرى صيفًا - كما قلت - من نوع آخر .