"منهجية التميز"
عباس المناصرة
01 معنى التميز
02العقل المسلم (النشأة والتطور والتميز)
03 معركة النقاء والتلوث والانشقاق الثقافي
04احتلال العقل المسلم
05 تحت الركام
06 تفكيك الركام
07 تنظيف الركام
08خطوات خارج الركام
09خطوات إلى الأمام
"منهجية التميز"
1ـ معنى التميز:
أظن أن من عادة الباحثين ، العودة إلى معاجم اللغة ، لاستجلاء ما تطرحه هذه المعاجم ، حول المعنى اللغوي . ومن خلال جولتنا الأولى لاكتشاف المعنى ، دلنا المعجم على مجموعة من موحيات الدلالة لهذه الكلمة ، في أصولها اللغوية التي وُضعت لها، وتبين أنه لفظ فيه معنى: الظهور والانفصال والبروز والفضل أو الزيادة ،القائمة على الافتراق النوعي عما يشابه أو يماثل أو ينافس (1) .
أما عندما نتوسع في دلالة التميز ، لتوظيفه في قضايا الفكر، ومنها النقد ، فإنه يدور حول الانطلاق المتميز الذي لا يتم إلا من خلال الذات الحضارية والخصوصية ، ونكهاتها المحلية التي تحمل ذات المبدع وتميزه إلى الآخرين ، وبذلك يَبين ويتميز على غيره في إنتاجه ومناهجه وتفكيره وسلوكه ، أو هو كما صوره شاعرنا العربي القديم:
إذا كنتُ في القوم الطوال فضلتهم بعارفة حتى يقال طويل (2 )
ويمكن أن نقصد به اصطلاحا ، ما أوجده فينا الإسلام من مناهج ومفاهيم وتفسيرات وخصائص وسلوكيات) تجاه الكون و الإنسان والحياة ، جعلتنا نفارق الأمم ونتميز عنها بشخصية حضارية مخالفة للحضارات المجاورة لنا في هذا الكوكب .
2ـ العقل المسلم ( النشأة والتكوين والتميز ) :
العقل المسلم ، مصطلح أُخذ من قبيل وصف الإنسان بالصفة الفكرية التي يحملها ، وينظر من خلالها إلى الأشياء ، ونقصد به ، مادة الفكر في عقل هذا المسلم ( المرجعية والمنهج ومسارات التفكير والسلوك وطرائق تفسيره لظواهر الكون والحياة و الإنسان ...) .
وقد نشأ هذا العقل ، وبدأ تكوينه ، يوم بدأ هذا العربي يستجيب لنداء رسالة السماء ، التي خاطبته بالإقناع والإعجاز .
وعندها خالطت فكره وقلبه ، فاختار الإسلام منهجا وعقيدة ونظاما لحياته ، فاستمد من مرجعية (الوحي) علمه و فهمه للحياة ، وجعل من هذه المرجعية مصدرا وحيدا لفهمها وتفسيرها ، فاستخرج منها شرائعه وسلوكه ، وخضع لها في مؤسسات الدولة والمجتمع وبناء الحضارة .
كان ذلك يوم أضاء الرسول r عقول الرجال بنور ( القرآن والسنة ) ثم تتابع هذا الفعل في أبناء الأمة ، من الصحابة الكرام، والتابعين وتابعيهم ، والمجددين من علماء الأمة عبر العصور .
وبمرور الزمن ، وتعاقب جهود الأجيال ، أدى تراكم الخبرة عند علماء هذه الأمة إلى فقه هذه المرجعية ، والتعمق فيها ، حتى وصلت الأمة إلى مصطلحاتها الفكرية المستقلة ، الخاصة بها ، والتي تصف بها منتجاتها ، في الفكر والعقيدة والحضارة وغيرها، وهكذا تأكدت خصوصية هذا العقل في مناهجه وتفكيره ومحاكماته ، وبذلك انفصل هذا العقل عن الحضارات المجاورة ، وتميز عنها مستقلا بذاته ، ويمكننا أن نوجز هذا التميز وتلك الخصوصية في الخطوط العريضة التالية .
3ـ الخطوط العريضة لخصوصية العقل المسلم:
أ ـ اتخذ العقل المسلم علم الوحي المتمثل ( بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) مرجعية له ، يفكر من خلالها في الحياة ، ثم اعتمد على هذه المرجعية و إحالاتها لهذا العقل في فهم الوجود ، لان الوحي والوجود صادران عن مشيئة واحدة هي إرادة الله سبحانه وتعالى ، فالوحي يمثل ( الكتاب المسطور ) والوجود يمثل ( الكتاب المنظور ) .
ثم جاء جهد هذا العقل في استيعاب هذه المرجعية وفقهها ، حيث تمكن علماء الأمة من الوصول إلى منهجية التعامل ، مع نصوص الوحي في علم مستقل ، يضبط هذه المنهجية ، ويحميها من الانحراف عن مقاصد الوحي، وهذا العلم هو علم (أصول الفقه) وهو علم مبني على ما يسمى علوم الأمة ( علوم اللغة، وعلوم التفسير، وعلوم القران، وعلوم الحديث ...) وهي العلوم التي اختصت بخدمة علم الوحي وتفصيل مقاصده .
وتبين للعقل المسلم أن علم الوحي يرشده إلى مصدرين للعلم والمعرفة هما:
1ـ علم الأمر الرباني: ( علم الثابت ) ومصدره آيات الوحي التي تفصل لهذا العقل: الحلال والحرام، ونظام الحياة، والإجابة على الأسئلة الكبرى التي تشغل العقل البشري ( علم العقيدة) والعبادات، وعلاقة الإنسان مع الله سبحانه وتعالى ومع أخيه الإنسان ومع الوجود .... وغيرها.
2ـ علم الإحالة إلى الوجود: ( علم المتغير ) وهو العلم الذي يتناول الأمر الرباني للعقل المسلم بهدف اكتشاف سنن الحياة والوجود وتوظيفها لخلافة الإنسان في عمارة هذه الأرض ، ومن خلال منهجية إخضاع المتغير للثابت .