الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد: فهذه أحاديث تربوية في مجال صلة الرحم . فمن ذلك ما أخرجه الترمذي رحمه الله تعالى من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال قال الله تعالى"أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي, فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته, ومن بتها بتته" ( [1] ) .
الرحم مشتقة من الرحمة والله جل وعلا هو الرحمن الرحيم , والرحم تشمل جميع الأقارب, وفي هذا الحديث بيان عظيم لمنزلة الرحم وحقوق القرابة .
فالمجتمع مكوُّن من الأفراد , وأول ما يجمع الأفراد قرابة الرحم, فإن أول من تقع عليه عينا الوليد أمُّه وأبوه وأخوته, على مرآهم ينشأ , ومن حنانهم يرضع الحب والرحمة , ومن معاملتهم يكتسب الأخلاق والآداب , ثم تأتي منزلة أقاربه الأقرب فالأقرب , فهم أقرب الناس إليه , وأكثرهم اتصالا به , فإذا هو قطع رحمه فإن عقوقه لمجتمعه يكون أولى وأحرى , فإذا حصلت القطيعة بين ذوي الأرحام , فإن تلك القطيعة تسري إلى المجتمع فيتباعد أفراده , وينشؤون على الحقد والأنانية , فتعم الأثرة ثم يقع التنافس على حطام الدنيا , ويكثر النزاع , فيفسد بذلك عمران الأرض , وإنما يكون صلاحها بمكارم الأخلاق وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, وذلك يكون أولا بصلة الرحم وحفظ حقوق الأقارب وبذل المعروف لهم , وتمرين النفس على مواصلة ذلك حتى تصبح هذه الصلة خلقا لازما للإنسان , وبالتالي تمتد هذه الصلة من القرابة إلى أفراد المجتمع , فيتكوَّن بذلك المجتمع الصالح .
وإنه لشرف عظيم لواصل الرحم أن يصله الله تعالى ! وهل يطمع الإنسان العاقل بشرف أعلى من هذا الشرف ؟! أم هل يطمح بصره إلى منزلة أعلى من هذه المنزلة ؟!
وبمقابل ذلك فإنه لَضعَةٌ أيُّ ضعة أن يقطع الله تعالى عبده ! وإنه لهول كبير وخسارة فادحة أن يتخلى الله جل وعلا عن عبده , ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديث آخر بتعبير مؤثر في الضمائر الحية والعقول الرشيدة حيث يقول"الرحم معلقة بالعرش , تقول: من وصلني وصله الله, ومن قطعني قطعه الله"أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنها ( [2] ) .
ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة صلة الرحم بقوله:"ليس الواصل بالمكافئ , ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها"أخرجه الأئمة البخاري وأبو داود والترمذي رحمهم الله تعالى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ( [3] ) .
فالواصل حقا ليس هو الذي يكتفي بأن يبادل الصلة بمثلها , فيصل من وصله ويقطع من قطعه, وإنما الواصل حقا الذي يعرف واجب الرحم حق المعرفة هو الذي يصل أقاربه جميعا حتى من قطع صلته به منهم , لأنه بهذه الصلة لمن قطعه يجعل من نفسه قدوة حسنة لسائر أقاربه , فإن النفوس مجبولة على التأثر بفعل المعروف , فتستيقظ في النفوس دوافع الرغبة في بلوغ الكمال, والتنافس في الاتصاف بأحسن الصفات .
ويبشر النبي صلى الله عليه وسلم واصل رحمه التي قطعته بالظفر بإعانة الله تعالى له في جهاده مع ذوي رحمه , وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه"أن رجلا قال: يارسول الله إني لي قرابة أصلهم ويقطعونني , وأحسن إليهم ويسيئون إلي , وأحلم عنهم ويجهلون علي؟ قال: لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلّ , ولن يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك" ( [4] ) .
وقوله"فكأنما تسفهم الملّ"يعني فكأنما تطعمهم الرمل الحار الذي يكون تحت النار , وفي هذا بلاغة عظيمة في التعبير عن المكابدة التي يعانيها الواصل الملحّ في وصل قرابته مع نفورهم منه وكراهيتهم لجوانب الصلة التي يمنحهم إياها , فصعوبة ذلك تشبه صعوبة إطعام الناس الرمل الشديد الحرارة .
فهذا الذي يصل من قطعه , ويحسن إلى من أساء إليه , ويحلم على من جهل عليه من قرابته إنما يريد أن يعدِّل موازين الحياة من حوله, ويريد أن يرفع من شأن قرابته نحو الرقي والكمال , لأن الحياة القويمة لاتتم إلا بتواصل الرحم, فهو من أجل أن يوجد الحياة السعيدة في مجتمعه الصغير قد غامر في محاولات تكلفه المتاعب وتحمله الأذى .
ولكن هل هو وحده في هذا الميدان ؟!
لا .. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بأن الله جل وعلا معه معينا وناصرا , ومن كان الله معه فلن ينقطع له سعي ولن يخيب له رجاء .
وإنها لبشارة عظيمة تدفع بهذا الواصل رحمه إلى مواصلة الجهد , ومضاعفة المحاولات التي توصله إلى تغيير الوضع العائلي الذي يعيش فيه من القطيعة وسوء الخلق إلى الصلة ومكارم الأخلاق .