فهرس الكتاب

الصفحة 7106 من 27345

الدعاة وأعراف المجتمعات محمد الحبر يوسف*

للأعراف في كل مجتمع من المجتمعات تأثيرها، وسطوتها على عقول الناس ومواقفهم واختياراتهم، وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أن دعوة الرسل الكرام على ما فيها من حق وإشراق، وما توافر لها من دلائل الصدق والتأييد إلا أن الأمم الجائرة قابلت هذه الهدايات بالتنكر والجحود، وأبت إلا التمسك بأعرافها الموروثة، وتقاليدها المتبعة؛ قال تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) ، وقال جل وعلا: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) ، وقد حكى الله عن قوم نوح قولهم: (ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) ، وعن قوم إبراهيم قولهم: (قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) .

ولا زلت أذكر أن شابًا إنجليزيًا (قح) رآني مرة أخطب الجمعة والعمامة على رأسي فألح علي أن أهدي إليه عمامة، ولكني لم أفعل؛ واعتذرت له؛ لأني لم أرَ في ذلك مصلحة تعود عليه، بل خشيت إن لبسها أن ينكره قومه؛ ويظنوا بعقله شرًا!.

ما يزال كثير من الناس إلى عصرنا هذا لا يمنعه من قبول الحق رغم يقينه بأنه حق إلا الخوف من مخالفة قومه، ومما سيلحقه في سبيل هذه المخالفة من عنت؛ فالتحرر من أغلال التقاليد والأعراف الراسخة في المجتمعات ليس بالأمر اليسير؛ ولا يستطيعه إلا من أعد نفسه؛ وهيأها للتضحيات الجسام؛ فقد يبلغ الأمر بمن لا يوافق الناس على ما تواضعوا عليه من خلق ودين أن يُخرج من بلده أو يُقتل؛ (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) ، وقال قوم لوط: (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) .

هذه هي سطوة الأعراف على المجتمعات، وقد كان الإسلام مدركًا لأثر هذه الأعراف على عقول الناس؛ لذلك ما اعتمد في تغييرها على العنف والشدة، بل أمر بالرفق والحكمة؛ (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ، ومن حكم نزول القرآن منجمًا التدرج في تربية المجتمع، وانتزاع مواريث الجاهلية شيئًا فشيئًا.. وكان الإسلام منصفًا أيضًا في نظره لأعراف المجتمعات؛ فلم يأمر بمصادمتها جملة؛ واقتلاع كل ما توارثه الناس، ولكنه وضع القسطاس المستقيم الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال؛ فما وافق الحق قُبل، وما خاصمة رد؛ لذلك لخص لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة دعوته؛ فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ؛ فما من عرف حسن، أو خلق كريم استقر في أمة من الأمم إلاَّ وجاء الدين مرحبًا به، وداعما له، وشاهد ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن حلف الفضول الذي تداعت له قبائل العرب نصرة للمظلوم: (لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت) .

ولا شك أن هذه المرونة في التعامل مع كسب الشعوب كانت من أعظم عوامل تقدم الدين؛ إذ لم تشعر هذه الشعوب بأن الإسلام يكلفها أن تنخلع عن كل عاداتها ومواريثها، كما لم يطالبها بأن تتخلى عن انتمائها لأوطانها، وانتسابها لأصولها، وما رأت الإسلام يومًا يحجر عليها أن تتسمى بأسمائها، أو تتزي بأزيائها..

إن هذه الدائرة في شريعة الإسلام متروكة لسنن الناس وعاداتهم؛ ويكفي أن تأتي الشريعة فيها بقواعد كلية، أو تنهى عن أمور محصورة لو عدّها العادّ لأحصاها.. كأن يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلْ ما شئت، وألبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة) .

وها نحن نرى شعوبًا دخلت في الإسلام منذ قرون ومع ذلك لا تزال تحافظ على أسمائها، وعلى كثير من عاداتها في طعامها وشرابها ولباسها دون أن يخدش ذلك في انتمائها لدينها.

ومن الخطأ البين أن يخلط الدعاة في هذا الباب بين الشريعة والعادة، وبين السنن الملزمة وغير الملزمة!؛ فقد رأيت في إنجلترا مجموعات من إخواننا المسلمين الجدد يصرون على اللباس العربي، ويمشون به في الشوارع والأسواق والأماكن العامة؛ ظنًا منهم أن هذا اللباس له صلة بالدين!.. ولا زلت أذكر أن شابًا إنجليزيًا (قح) رآني مرة أخطب الجمعة والعمامة على رأسي فألح علي أن أهدي إليه عمامة، ولكني لم أفعل؛ واعتذرت له؛ لأني لم أرَ في ذلك مصلحة تعود عليه، بل خشيت إن لبسها أن ينكره قومه؛ ويظنوا بعقله شرًا! وكم وددت لو أن الدعاة في مثل تلك البيئات علّموا الناس حقائق الإسلام الكبرى، وشرحوا لهم معالمه الأساسية، وبينوا لهم بجلاء أن الإنسان يمكن أن يكون مسلمًا كامل الإسلام وهو يرتدي البدلة، ويأكل بالسكين والشوكة!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت