د. عبد الكريم بكار
في ظل الاتصال العالمي، وفي ظل سيطرة العولمة وانتشار مفاهيمها أخذت مشكلات العالم شرقًا وغربًا في التجانس والتشابه، أي يمكن القول: إن حاجة الإنسان في الغرب على المستوى الروحي والعقلي والأخلاقي لا تبتعد كثيرًا عن حاجات مسلم يعيش في الشرق، لكنه ضعيف الالتزام وغارق في شؤونه اليومية. وعلى هذا فإننا يمكن أن نقول -مع شيء من التجاوز والتعميم-: إن ما يمكن أن يقدمه الداعية والمفكر المسلم لإخوانه في ديار الإسلام يقترب شيئًا فشيئًا مما يمكن أن تقدمه أمة الإسلام للأمم الأخرى مع بعض الخصوصيات والاستثناءات. وعلى هذا فإن هدايا الغريب المسلم تتقارب مع هدايا الأمة المسلمة. شيء مهم أن نعرف ماذا نهدي، لكن حتى نعرف ذلك فإن علينا أن نعرف شيئين: ما الذي لا نستطيع إهداءه، وما الذي يحتاجه أولئك الذين سنقدم إليهم هدايانا ومن حسن الطالع أن يكون -في أغلب الأمر- ما لا نستطيع إهداءه هو ما لا يحتاجه الآخرون.
من الواضح أننا لا نملك بإمكاناتنا وأوضاعنا الحالية أن ننشئ دورة حضارية عالمية ذات صبغة إسلامية تعقب الدورة الحضارية الغربية السائدة الآن، وتعكس هيمنة القيم والأفكار والاعتقادات ومناهج العمل والتفكير الإسلامية. نحن لا نستطيع هذا الآن لأننا لا نملك الوسائل والقوى المطلوبة لذلك.
أيضًا نحن لا نستطيع الآن أن نُحدث طفرة علمية وتقنية وبحثية تدفع بما هو متوفر عالميًا نحو الأمام، ونسدي بذلك للإنسانية خدمة تحسِّن في رفاهيتها واستغلالها لخيرات الأرض؛ لأننا لم نستوعب إلى الآن ما هو موجود ولا نسهم إلا على نحو محدود جدًا في تطويره.
ونحن اليوم لا نستطيع أن نقدم نظامًا تربويًا أو تعليميًا أو إداريًا يتفوق على النظم الموجودة حاليًا، لأننا لم نطور نظمنا القديمة، ولا استخدمنا الموجود بكفاءة. لكن في إمكان الفرد المسلم المتميز أن يقدم لأمة الإسلام أشياء مهمة في كل ما ذكرناه، إذا عرف أن (الغربة) تعني التفوق والتقدم على الصفوف، وليس الضعف والعزلة.
العالم الذي تبنيه العولمة اليوم، وتبشر به الرأسمالية والليبرالية يفتقر إلى رؤية تركيبية توليفية، يشعر الإنسان من خلالها بالاطمئنان إلى مصيره بعد الموت، وتوفر له في الوقت نفسه الإطار التوجيهي في حركته اليومية. ونحن الذين نملك هذه الرؤية.
وعالم اليوم مشبع بالوحشة والنفور واليأس والاستقلال الذاتي العدائي والعنجهية. وهو يحتاج حتى يتخلص من هذه الوضعية البائسة إلى من يقدم له قيم الأخوة والمباشرة والمؤانسة والتواضع والتضحية والتعاون. وهذا ما تؤكده المنهجية الاجتماعية الإسلامية.
عالم اليوم يستثمر أموالًا هائلة في السياحة والترفيه واللهو وكل ما من شأنه خدمة البدن. ولم يخطر في باله أن ينفق أي شيء في خدمة (الروح) وذلك لأنه أسلم قياده لثقافة لا تعرف عن الروح شيئًا، سوى أنهم يعدون (الخمر) مشروبًا روحيًا!! والمسلمون الملتزمون هم الذين يعرفون كيف يكون غذاء الروح، وكيف يُبنى الإشراق الروحي المسلمون مشغولون بأداء حقوق الله تعالى والبحث عن مراضيه، ويفهمون حقوق الإنسان والحيوان في إطار فهمهم لحقوق خالق الإنسان والحيوان وعلى هدي تعاليمه. أما حضارة اليوم فإنها تتحدث عن حقوق المرأة والطفل والعامل والسجين، كما تتحدث عن حقوق الكلاب والقطط ونظافة البيئة، لكنها لا تتحدث أبدًا عن حقوق الله تعالى ولا تقيم لها أي وزن. ونحن نملك الرؤية الكاملة لتوجيه الحضارة في هذا الشأن. العالم الذي اتخذ من الصراع ناموسًا للبقاء يملك ويكتسب الكثير الكثير من (العلم) ، ويفقد مع الأيام ما تبقى لديه من (حكمة) عالم كثير علماؤه قليل حكماؤه. وما ذلك إلا لأنه لا يعادل غناه بالوسائل سوى فقره في الغايات. وأمة الإسلام وحدها هي التي تعرف الغاية من وجود البشر على هذه الأرض، كما يجب أن تكون المعرفة.
إن قارة (أوروبا) أسست الحضارة الحديثة، وما زال لها موقع متقدم في قيادتها، وهي تقدم الدليل تلو الدليل على قصور البناء الذي وضعت قواعده، وشيدت أركانه. وهل هناك دليل على ذلك أقوى من أن يستحي أي زعيم من زعمائها وأي رئيس من رؤسائها من أن يجري اسم (الله) على لسانه؟!
إن عالم اليوم لا يحتاج إلى التسامح فحسب، لكنه يحتاج أيضًا إلى من يدله على طريق الهداية، ويساعده على أن يقترب من الله تعالى شبرًا أو ذراعًا، وهذا ما نملك القيام به.
هذه الوضعية تحملنا مسؤولية كبرى لأننا نملك فعلًا ما العالم في أمس الحاجة إليه.
لكن يجب أن نكون على وعي بأننا لن نستطيع أن نقدم للعالم على طبق من ذهب شيئًا نستخرجه من الكتب، ونسطره على الورق، ثم نذيعه في فضائية أو ننشره على شبكة (الإنترنت) ، إننا لو فعلنا ذلك فحسب فإننا نكون كمن لم يفعل أي شيء.