فهرس الكتاب

الصفحة 14436 من 27345

حركة الترجمة

الأستاذ أنور الجندي

يواجه الفكر الإسلامي في مطلع القرن الخامس عشر الهجري عديدًا من التحديات التي انطلقت منذ بدأت حركة الاستشراق والتبشير والغزو الثقافي يهدف"تغريب"الإسلام وبلاده وفكره وذلك عن طريق طرح معطيات الفكر الغربي بواسطة الترجمة على نحو بالغ الخطورة اختلط فيه النافع بالضار وغلبت مترجمات الفلسفة اليونانية والقصة المكشوفة ونظريات العلوم الاجتماعية والنفس والأخلاق الغربية ومترجمات النظريات الاقتصادية سواء الرأسمالية أم الماركسية، بل وطرحت من خلال هذه المترجمات نظريات مادية في ترجمة الحياة وتفسير التاريخ ونقد الأدب وكلها تتعارض تعارضًا تامًا مع مفاهيم البلاد وقيم الفكر الإسلامي، هذه الظاهرة الخطيرة: ظاهرة المترجمات إلى اللغة العربية من الفكر اليوناني الوثني القديم والفكر الغربي الليبرالي والماركسي تحتاج إلى نظرة فاحصة في مطلع القرن الخامس عشر بهدف تحديد موقف الفكر الإسلامي منها من حيث الوجهة التي يجب أن يتجه إليها في القرن الخامس عشر وهي وجهة التحرر من الوافد والدخيل ومن التبعية والاحتواء، واحتلال ناصية الأصالة وإعلاء الذاتية الخاصة وتمكين الوجود الأصيل المستمد من منابع الإسلام، والنظر إلى الفكر الوافد على أنه نتاج غريبلقوم لهم مفاهيمهم وقيمهم، ولا بأس من لالنظر فيه والاستئناس به للتعرف على أساليبه ووجهته، دون أن يكون مسيطرًا أو موجهًا لفكرنا الإسلامي ودون أن يكون فكرنا الإسلامي - ذي الميراث الرباني والتراث العريق - خاضعًا أو منصهرًا في بوتقة الأممية العالمية.

ولقد قامت الترجمة في العصر الإسلامي الأول بإرادة المسلمين الحرة وفي سبيل الحصول على تراث الأمم العالمي باعتبار أن الإسلام هو وارث الحضارات القديمة جميعًا، ونظرًا لأن الإسلام قد دعا إلى العلم وإلى النظر في الكون فحق على أهله أن يتعرفوا على ما سبقهم من تجارب في هذا المجال بغية تقييمها والنظر فيها وتصحيح أخطائها والتماس السليم الصادق منها مما لا يتعارض مع مفهوم التوحيد الخالص للبناء عليه على النحو الذي تحقق بإقامة المنهج العلمي التجريبي الإسلامي ومنهج المعرفة الإسلامي ذي الجناحين (روحًا ومادة ودينًا وعلمًا ودننيا وآخرة) .

ومن ثم فقد أنفق المسلمون جهدهم في الحصول على أوليات العلوم الطبية والطبيعية والفلكية التي كانت ميراثًا عامًا (من بابل وفارس ومصر والهند والصين) والتي كانت قد تجمعت في بيئة اليونان والرومان ثم جاءت المسيحية فرفضتها كلية، ومن ثم كان فهم المسلمين للترجمة في العصر الأول دقيقًا وسليمًا، فقد كانوا يفرقون تفريقًا واسعًا بين"العلوم"و"الثقافة"وكانوا يؤمنون بأن لكل أمة ثقافتها الخاصة بها المستمدة من عقيدتها ومفهومها للحياة وميراثها الفكري، ولما كان التوحيد هو قمة معطيات الإسلام فقد حددوا موقفهم إزاء الشعر والأدب والفلسفة وأدخلوها في دائرة ثقافة الأمم الخاصة بهم، وأخذوا في ترجمة العلوم والمعارف العامة باعتبارها ملك لجميع الأمم، ولذلك فقد سارت نهضة الترجمة في العصر العباسي على هذا الأساس لولا أن عوامل معينة تجخلت في ترجمة الفلسفات اليونانية والفارسية وخاصة ما يتصل بعلم الأصنام اليوناني المستمد من الوثنية اليونانية وكذلك ما يتصل بالغنوصية الشرقية، وكانت قد مزجت فلسفة اليونان والفلسفة الشرقية في المدرسة الأفلوطينية.

غير أنه ما أن ترجمت فلسلفات أرسطو وأفلاطون وغيرهما حتى واجهها الفكر الإسلامي في معارضة قوية واعتبر القائمين بها أتباعًا لمدرسة اليونان حتى أطلق عليهم اسم (المشائين المسلمين) وكشف عن فساد مفاهيمها ومعارضتها للتوحيد الخالص ومن ثم نشأت مدرسة الأصالة التي بدأها الإمام الغزالي ووسد قوانينها الإمام ابن تيميه الذي كشف عما أماه"منطق القرآن"في مواجهة منطق اليونان وكان الإمام الشافعي قد بدأ هذا الاتجاه حين فرق بين أرجانون اللغة اليونانية وأرجانون اللغة العربية: لغة القرآن وخاصة فيما يتعلق بأن الفلسفة اليونانية تقوم على الوثنية والعبوية بينما يقوم مفهوم الإسلام على التوحيد والإخاء البشري.

ولكن الترجمة فيما عدا هذا الجانب الفلسفي ظلت محكومة بهدف واضح وبإإرادة قديرة. قوامها مفهوم الإسلام نفسه، وكل ما وجده علماء الإسلام ومفكروه معارضًا للإسلام نقضوه وما وجدوه مخالفًا عارضوه، وكشفوا زيفه وأعلوا شأن مفهوم الإسلام الجامع القائم على التوحيد الخالص والمسئولية الفردية والالتزام الأخلاقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت