أ. د. عماد الدين خليل 17/2/1426
يطرح الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبادئ متفاوتة الدرجات إزاء (المال) و (حق الجماعة) ويسلط الضوء على المسألة الاجتماعية من زواياها وأطرافها كافة لكي لا تتبقى منها أية مساحة غارقة في العتمة، وهو في هذا كله إنما يساير القرآن جنبا إلى جنب، يؤكد آياته البيّنات ويعززها ويوضحها. إنه صلى الله عليه وسلم يتحدث عن العمل والأجر والأرض والزراعة، وعن طبيعة العلاقات المتينة العميقة التي تربط بين أفراد المجتمع المسلم الواحد وتجعلهم كالبنيان؛ لا يسمحون لأي منهم يسلم أو يظلم … وعن المسؤولية الجماعية التي تحتم على كل فرد أن يعرف مواطن الحق والواجب وإلا عصفت بهم العواصف.
ويقف طويلًا عند الثروة ويبين في أكثر من موضع أنها ليست هدفًا ولا يجب أن تكون كذلك، وإلا قادت عبيدها ومستخدميها إلى الدمار، وكيف أن الموقف الصائب في التعامل معها يضعها في موضعها المناسب من فعاليات الإنسان على الأرض، كوسيلة تحمله والجماعة معه إلى أبعد الآفاق .. وكيف أن حق الجماعة في المال يتدرج من (الزكاة) ، حده الأدنى ، صعدًا صوب القمة التي تغدو فيها مشتركة في هذا المال الزائد عن حاجة صاحبه، وما وراء ذلك هو ما عبّر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله"ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا ، أموت وعندي منه دينار، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا …"وطوّح بيديه يمينًا وشمالًا وخلفًا . وسنرى في المقطع الأخير من هذا البحث كيف مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وليس عنده دينار واحد!!
يتحدث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن (العمل) باعتباره الأساس الذي يوليه الإسلام الأهمية الكبرى، والذي تتمخض عنه ابتداء (القيمة) التي يتضمنها المال و (المنفعة) المترتبة عليه، ويجب أن نلاحظ هنا كيف أن القرآن الكريم يورد العمل بتصريفاته المختلفة وأبعاده الجزئية والشاملة، المادية والأخلاقية، الدنيوية والأخروية، فيما يزيد عن ثلاثمائة وخمسين موضعًا ويسعى صلى الله عليه وسلم إلى أن يحض أتباعه على العمل، لإنهاء ظواهر التبطل والكسل والتواكل والاستجداء التي تتناقص أساسًا مع متطلبات العدل الاجتماعي وصورة المجتمع الذي يسوده التوازن الفعال.
قال:"والذي نفسي بيده لئن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله، أعطاه أو منعه"وقال:"ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده"وقال:"على كل مسلم صدقة. قالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فان لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة". المهم هو أن يعمل الانسان المسلم، وأن يكون إيجابيًا، فإذا عجز عن تفجير طاقاته في بعض مساحات النشاط البشري، فإن هناك مساحات أخرى غيرها.
ومن أجل تأكيد هذه الفكرة في العطاء الاجتماعي قال فيما نقله لنا حكيم بن حزام:"سألت رسول الله فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى"وقال:"ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"وقال"العمل عبادة"و"طلب كسب الحلال فريضة"و"طلب الحلال جهاد"و"من أمسى كالًا من عمل يده أمسى مغفورًا له يوم القيامة"وقال:"إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده"، وقبّل يدًا ورمت من كثرة العمل وقال:"هذه يد يحبها الله ورسوله"وقال:"إن الله يحب العبد المؤمن المحترف".
ومرة أخرى يعود إلى إيجابية العمل في الحياة الإسلام ويفضّله على"سكون"العبادة فيقول:"لئن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين"ويبلع من تقييمه للعمل وتقديره للعطاء وإدراكه العميق للدور الذي يمارسه على المستوى الاجتماعي خاصة والحضاري عامة أن قال:"إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر".
ويؤكد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يتحدث عن العمل على"حق"الأجير والعامل، هذا الحق الصارم الذي يجب أن يُعطاه لحظة توقفه عن العمل جزاء وفاقًا على ما قدّمت يداه، فيأمر أصحابه:"أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه"، ويصب غضبه الشديد، ويعرب عن خصومته القاطعة لكل من يستأجر أجيرًا فيأكل حقه:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه فلم يعطه أجره".