رئيسي:فضائل:
الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين , وسلم تسليمًا كثيرًا , أما بعد ,,, فهذه كلمات مختصرة في معنى العلم، وانقسامه إلى علم نافع، وعلم غير نافع، والتنبيه على فضل علم السلف على علم الخلف، فنقول:
قد ذكر الله في كتابه العلم:
تارة: في مقام المدح، وهو العلم النافع.
وتارة: في مقام الذم، وهو العلم الذي لا ينفع.
فأما الأول: العلم النافع: فمثل قوله:...رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ... [9] } [سورة الزمر] . وقوله:شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ... [18] } [سورة آل عمران] . وقوله:...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [114] } [سورة طه] . وقوله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ... [28] } [سورة فاطر] . وما قصه سبحانه من قصة موسى عليه السلام وقوله للخضر:...هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [66] } [سورة الكهف] .فهذا هو العلم النافع .
وقد أخبر عن قوم أنهم أوتوا علمًا ولم ينفعهم علمهم: فهذا علم نافع في نفسه لكن صاحبه لم ينتفع به، قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [175] وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ... [176] } [سورة الأعراف] . وقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [169] } [سورة الأعراف] .
وأما الثاني: وهو العلم الذي لا ينفع، الذي ذكره الله على جهة الذم له: فقوله: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [83] } [سورة غافر] . وقوله: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [7] } [سورة الروم] .
ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع، وإلى غير نافع، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال العلم النافع فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [...اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا] رواه مسلم. فالعلم الذي يضر ولا ينفع جهل؛ لأن الجهل به خير من العلم به. فإذا كان الجهل به خيرًا منه فهو شر من الجهل.
وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علومًا وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها . فمن ذلك: ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. ومنها: الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية: كقول القدرية لو قدر وقضى ثم عذب كان ظالمًا. وقول من خالفهم إن اللَه جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك. ومنها الخوض في سر القدر. ومن محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول، وقد اتفق السلف على تبديعهم، وتضليلهم، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
ومن محدثات العلوم ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ورد فروع الفقه إليها. وسواء أخالفت السنن أم وافقتها طردًا لتلك القواعد المقررة وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها، وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق، وبالغوا في ذمه وإنكاره.
فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث، فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به، قال عمر بن عبد العزيز:'خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم'.