ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضًا، ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام، فكل ذلك محدث لا أصل له، وصار ذلك علمهم حتى شغلهم ذلك عن العلم النافع. وقد أنكر ذلك السلف، وورد في الحديث المرفوع: [مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ:مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ[58] } [سورة الزخرف] ] رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد .
وقال بعض السلف:' إذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل'. وقال مالك:' أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم' يريد المسائل، وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا، ويقول:' يتكلم أحدهم كأنه جمل مغتلم، يقول هو كذا هو كذا بهدر في كلامه'. وقال:' المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم' . وقال:' المراء في العلم يُقسي القلب، ويورث الضعن' . وكان يقول في المسائل التي يسئل عنها كثيرًا:لا أدري ، وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك.
وقد ورد النهي عن كثرة المسائل، وعن أغلوطات المسائل، وعن المسائل قبل وقوع الحوادث، وفي ذلك ما يطول ذكره، ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه، ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر، يفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب، وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة، وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم، بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه، فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا ولا عجزًا، ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم، وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبًا للكلام، وقلة ورع، كما قال الحسن-وسمع قومًا يتجادلون-:'هؤلاء قوم ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم فتكلموا'. وقال مهدي بن ميمون:'أنا أعلم بالمراء منك، ولكني لا أماريك' .
وقال إبراهيم النخعي:' ما خاصمت قط' . وقال جعفر بن محمد:' إياكم والخصومات في الدين فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق'. وكان عمر بن عبد العزيز يقول:' إذا سمعت المراء فاقصر' . وقال:' من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل' . وقال:'إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر قد كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا' . وكلام السلف في هذا المعنى كثير جدًا.
وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا، كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.
فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك. وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم.
وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحًا لكلام يتعلق من كلامهم، وأما ما كان مخالفًا لكلامهم، فأكثره باطل أو لا منفعة فيه. وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ، وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة مالا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم يه.
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم. قال الأوزاعي:' العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما كان غير ذلك فليس بعلم' . وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفة لها؛ لشذوذه عن الأئمة، وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.