فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين، أو الفلاسفة، فشر محض، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، وكان أحمد وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة.
والعلم النافع ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة، والتابعين، وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد، والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل، ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل، واستعان عليه؛ أعانه وهداه، ووفقه، وسدده، وفهمه، وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به، وهي خشية اللَه كما قال عز وجل:...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ... [28] } [سورة فاطر] .
قال ابن مسعود وغيره:' كفى بخشية اللَه علمًا، وكفى بالاغترار باللَه جهلًا' . وقال بعض السلف:' ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية'. وقال بعضهم:'من خشي اللَهَ فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل'. وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:
أحدهما: على معرفة اللَه، وما يستحقه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الباهرة. وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضى بقضائه، والصبر على بلائه.
والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة، والأقوال.
فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة اللَه ورضاه، والتباعد عما يكرهه ويسخطه. فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا؛ فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعًا، ووقر في القلب، فقد خشع القلب للَّه وانكسر له. وذل هيبة وإجلالًا، ومحبة وتعظيمًا.
ومتى خشع القلب للَّه وذلّ وانكسر له؛ قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا، وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة، والزهد في الدنيا. وكل ما هو فانٍ لا يبقى من المال والجاه، وفضول العيش الذي ينقص به حظ صاحبه عند اللَه من نعيم الآخرة- وإن كان كريمًا على اللَه كما قال ذلك ابن عمر وغيره من السلف وروي مرفوعًا-. وأوجب ذلك أن يكون بين العبد وبين ربه عز وجل معرفة خاصة، فإن سأله أعطاه، وإن دعاه أجابه كما قال في الحديث الإلهي: [...وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ -إلى قوله:- وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ] رواه البخاري .
وفي وصيته صلى اللَه عليه وسلم لابن عباس: [ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ...] رواه أحمد والترمذي. فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه بحيث يجده قريبًا منه يستأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره، ودعائه، ومناجاته، وخدمته. ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته، كما قيل لوهيب بن الورد: يجد حلاوة الطاعة من عصى، قال:' لا ولا من هَمَّ'.
فالعلم النافع ما عرف بين العبد وربه ودل عليه حتى عرف ربه ووحده وأنس به واستحى من قربه. وعبده كأنه يراه. ولهذا قالت طائفة من الصحابة:' إن أول علم يرفع من الناس الخشوع'.
وقال الحسن:' العلم علمان، فعلم على اللسان فذلك حجة اللَه على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع. وكان الإمام أحمد رحمه اللَه يقول عن معروف:' معه أصل العلم، خشية اللَه' .
فأصل العلم باللَه الذي يوجب خشيته، ومحبته، والقرب منه، والأنس به، والشوق إليه. ثم يتلوه العلم بأحكام اللَه، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول، أو عمل، أو حال، أو اعتقاد. فمن تحقق بهذين العلمين؛ كان علمه نافعًا، وحصل له العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس القانعة، والدعاء المسموع.
ومن فاته هذا العلم النافع؛ وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم، وصار علمه وبالًا وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليها حرصًا ولها طلبًا، ولم يسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه، وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه.
هذا إن كان علمه علمًا يمكن الانتفاع به، وهو المتلقى عن الكتاب والسنة، فإن كان متلقى من غير ذلك؛ فهو غير نافع في نفسه، ولا يمكن الانتفاع به بل ضره أكثر من نفعه.
وعلامة هذا العلم الذي لا ينفع: أن يكسب صاحبه الزهو والفخر، وطلب العلو والرفعة في الدنيا، والمنافسة فيها، وطلب مباهاة العلماء، ومماراة السفهاء، وصرف وجوه الناس إليه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من طلب العلم لذلك فالنار النار.