النصيحة لاالتعيير، والإصلاح لاالتشهير
الكاتب: الشيخ د.عبد الرحمن بن أحمد الجرعي
تمر الصحافة هذه الأيام ببعض القضايا الساخنة التي تتناولها أطراف مختلفة المشارب ،كل ينزع من بئر ، والملاحظ حدة اللغة التي يستعملها المتحاورون ، مع التسفيه للآخر ، ورميه بأقبح النعوت ، من التخلف والجهل، والتطرف ، والكفر، . . .الخ
وكل يتبرأ من المبالغة والتهويل ، ويرى نفسه في هذا الطرح صاحب حق ، وصاحب مشروع مشروع، فتبدأ المقالة بإعطاء القارئ مايشبه إبرة التخدير بأن مايرد في المقالة إنما هو رغبة في الإصلاح ، وشفقة على الأمة وأبناءها ، ولاتعدو أن تكون وجهة نظر، ثم يبدأ الكاتب بفتح النار على المخالفين ، بل والاستعداء ، والمطالبة بما لايقره عقل ولانقل ، وتجد التضخيم لبعض الأخطاء الفردية ، وتعميمها على الجميع، وهذا من الظلم البين، ولو جمعت فلتات هذا الكاتب وسقطاته في سائر أيامه ، ووضعت في لوحة أمام الناس لماسرّه ذلك ، ولشعر بفداحة الظلم ، ومرارة البغي، لكنه حين يمسك بالقلم ينسى ذلك ، ولايدري كم من القلوب يكوي، وكم من النفوس يؤذي ، والبرءاء من الضحايا يضجون بالشكوى لمن يعلم السر وأخفى.
إن الكلمة أمانة، ومامن كاتب إلا سيفنى ويبقي الدهر ماكتبت يداه ، والكلمة المدوية ، وإن شهرت صاحبها يوما، فإن الحساب عليها قائم ، والقراء يمرون عليها وقد يعجبون لحظتها بها وقد يساؤون ، لكن غرمها أو غنمها لصاحبها.
ولعل ملاحقة بعض الصحف للكتاب ، والتزامهم اليومي أو الأسبوعي يجعله نهبا للبدوات والخاطرات الفجة ، وغير الناضجة ، فيبعث بالمقال ربما قبل أن يجف حبره، والنكاية تعظم حين يشعل هذا المقال أو ذاك ضجة تكمن في تصفية حسابات، وتنفيس عن ذحول وثارات ، كانت تنتظر مثل هذه اللحظة ، فوجدت الظرف مناسبا فشوى هؤلاء سمكتهم في الحريق، وإن الدين والشرف ، والرجولة تأبى ذلك .
فهل فكر بعض كتابنا أو خطبائنا في الأثر الذي تحدثه مثل كلماتهم التي على هذه الشاكلة.
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
إن مسيرة الإصلاح يجب أن يشترك فيها الجميع ، فهذه غنيمة كل له فيها سهم، ويجب إحسان الظن بالمسلمين ، وسعة الصدر لهم ، وترك المبادرة للاتهام دون دليل ، فالشكوك والاوهام لم تكن يوما بالدليل المعتبر . والله الموفق