فهرس الكتاب

الصفحة 11198 من 27345

و إذا حكَم أهل الشرعِ لأحد المتنازعين في المسألة بحقٍّ وَجب تمكينُه منه ، فإن حيلَ بينه و بين حقّه بعد الحكم الشرعيِّ الصادر لصالحه ، و لم يجِد سبيلًا لوضع يده عليه إلاّ بقانون البلد الذي يقيم فيه ، فأَخَذَ حقّه أو طلبه عن طريق ذلك القانون ؛ جاز له ذلك ، و لم يكُن بالإقدام عليه متحاكمًا إلى الطاغوت في هذه الحال ، لأنّ قضاة الشرع قد قضوا له مسبقًا ، و ما جدَّ من أمره إلاّ السعي لإنفاذ حُكم الشريعة و حسب .

و ليسَ فيما اطّلعتُ عليه من سير القضيّة المشار إليها آنفًا و حيثيّاتها حكمٌ قضائيٌّ شرعيٌّ معتبرٌ لأيٍّ من الطرفين يسوّغ له الاستعانة في تطبيقه بالسلطات المحلّيّة ، القائمة على القوانين الوضعيّة .

قلتُ: و إن أبى الطرفان أو أحدهما إلاّّّ التحاكم إلى الطاغوت بعدَ بلوغهم النصيحة و قيام الحجّة عليهم بها ، فقد آذَنوا بفسادٍ عظيمٍ يبوئون بإثمه في الحياة و بعد الممات ، و من ورائه إثمُ من ائتمَّ بهم أو جاراهم في هذا العمل مطمئنّةً نفسُه إليه بسبب صدوره أو صدور مثله عن مؤسسة تمثّل الجالية المسلمة في ديار الغرب إلى أن يرِثَ الله الأرضَ و من عليها .

و رُبَّما سوَّغت خطواتهم التي يخطونها نحوَ القضاء الوضعي الوضيع ، لمن يتربَّصُ بهم أن يخطو نحو إشاعة الفتنة و الإيقاع بين أبناء الجالية متذرّعًا بالتصدي لمسعاهم الفاسد هذا ، و لمن يريد الصلاحَ و الإصلاح أن يطعنَ في شرعيّة تمثيلهم للجالية ، و يسعى لإنكار المنكر ، و تغييره باليد أو اللسان أو القلب ، و في هذا و ذاك ما لا تحمد عُقباه ، و لا يؤمن وقوع الناس في أذاه .

إنَّها - و الله - فتنّة ، إن لم نحذَر و نحاذر من الوقوع فيها ابتداءً ، فمن لنا بالنجاة منها بعدَ أن تحلّ بساحتنا ؟

و إنّه و الله لامتحان عظيم لا يُوَفَّق فيه إلا من قدّم الهُدى على الهوى ، كما هو الحال عند وقوع الفتن .

قال رجل لسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: يا سعيد في الفتنة يتبين لك من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت [ الابانة الكبرى ، لابن بطة: 2/ 769 ] .

فمن الضلال الحذَرَ الحذَرَ ، و إلى التدارك قبل التهالك البِدارَ البدار ، و السعيد من قدّم التوبة ، و بادر بالرجوع و الأوبة ، و هذا ظنّنا بإخواننا ، إذ نحسبهم على خير ، و نرجو لهم الخير ، و نسعى معهم للخير ، و الله على ما نقول شهيد .

و الحمد لله ربّ العالمين ، و الصلاة و السلام على خاتم النبيّين و المرسلين ، و آله و صحبه أجمعين .

و كتب

أحمد بن عبد الكريم نجيب

( الملقّب بالشريف )

دَبْلِن ( إيرلندا ) في الثاني و العشرين من ربيع الأوّل عام 1423 للهجرة

الموافق للرابع من يونيو ( حزيران ) عام 2002 للميلاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت