فهرس الكتاب

الصفحة 15634 من 27345

من أجواء المحنة والحصار، من ظروف الشدة

والاحتلال، من بين صور الظلم والعدوان، من جوف المحنة تخرج المنحة، من شدة الظلمة تشتعل أضواء الأمل، عندما نرجع بذاكرتنا إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونقف مع الحدث الذي منذ انطلاقه ووقعه أصبحت صلتنا بهذه الأرض صلة عقيدة وإيمان، وارتباطنا بها ارتباط دين وإسلام، وعمقنا معها عمق تاريخ وحضارة، كيف جاءت تلكم الحادثة في السيرة النبوية العطرة، لقد كانت فرجًا من بعد كرب، وكانت فرحًا من بعد حزن، وكانت إكرامًا من بعد إجرام، وكانت قوة من بعد ضعف، وكانت نصرة من السماء بعد خذلان الأرض، لقد جاءت حادثة الإسراء في سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، بعد أن اشتد به أذى قريش إثر وفاة عمه أبي طالب، وزاد الحزن عظمة واشتدادا بعد وفاة نصيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وزوجه المخلصة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وبعد أن تكالبت قوى الشر وتعاظمت صور الأذى والعداء، جاءت هذه الرحلة إسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومعراجا من الأرض إلى السماء، لتبين أمورا كثيرة وهو أنه يأتي من بعد كل شدة فرج، ومن بعد كل عسر يسر، مادام القلب موصلا بالله، والنهج ثابتا على صراط الله، ومادام اليقين راسخا بأن كل قوى الأرض مهما بلغت عظمتها لن تنال من المؤمن والمؤمنين مبلغة إلا بما يقدر الله عز وجل، يوم صدت وأوصدت في وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أبواب الأرض فتحت له أبواب السماء، ويوم كانت النذالة والخسة والدناءة من كفار قريش ومجرميها جاء العز والإكرام والاحتفاء والتعظيم من ملائكة السماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بقعة صغيرة في مكة المكرمة إلى آفاق واسعة امتدت عبر تلك المسافة في لمح البصر لتخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر سوف يتسع وأن الحصار سوف ينتهي وأن القيود سوف تكسر وأن النصر سوف تتيسر أسبابه، وأن أولئك الأقزام إما أن يسيروا مع تيار النصر والإيمان وإما أن يهزموا ويذلوا في الدنيا ويعاقبوا ويعذبوا في الآخرة، وكان الأمر كما كان وامتدت دولة الإسلام في غضون سنوات قليلة بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسراءه ومعراجه وبعد هجرته وجهاده، وقال في حديثه الصحيح: ( اعدد ستا بعد موتي ... - وذكر أولها:- فتح بيت المقدس)

وفتحها الفاروق ودانت للإسلام وازدانت بالإسلام وعظمت بالإيمان وكانت أنموذجا من نماذج التحرير الإسلامي الحق الذي حرر الشعوب من ربقة ظالميها وقاهريها { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } .

وظلت تلك البركة، وظل مثل هذا الأمل مرتبطا ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، دائما متصلا إلى آخر الزمان، لتبقى البركة وليبقى الفتح والعز والنصر وطيد الصلة بتلك البقاع ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) قيل: أين هم يا رسول الله ؟ قال: ( في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس )

كما ورد في رواية أحمد في مسنده.

وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ( لا تقوم الساعة حتى تقاتلون اليهود حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي وراءي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود ) .

أفي شك أنتم من وعد وحديث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ألسنا نعرف أنها أي بلاد الشام أرض المحشر والمنشر، من تلك الهجرة من تلك الرحلة وإلى قيام الساعة يبقى الارتباط وثيقا بالإيمان واليقين والإسلام من منبعه الذي بدأ في مكة المكرمة، ومن قيام دولته التي كانت في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ثالث تلك البقاع في رحلة الإسراء ليبقى هذا كله سياقا واحدا تحدثنا عنه غير مرة .

ولعلي أنقلكم، يا معاشر المسلمين المتحررين الذين لستم واقعين تحت الاحتلال، يا معاشر المؤمنين المترفهين المتنعمين الذين لا تذوقون مرارة الحصار، يا معاشر المسلمين الذين عندكم من الوقت والفراغ سعة للهو والعبث ومتابعة المباريات ومشاهدة المسلسلات من تلك الأرض بكل قسوتها وشدتها أنقل لكم الدروس والعبر تعلموا في مدرسة أرض الإسراء كما تعلمت الأمة وتتعلم من رحلة الإسراء ومن صاحب الإسراء والمعراج عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت