فهرس الكتاب

الصفحة 24859 من 27345

بقلم عبدالله بن صالح العجيري

"...طالبوا العلماء أن يستنبطوا من الكتاب والسنة ما ييسر على الحجيج حجهم ، فكان استظهارهم هذا إرهابا فكريا للخصوم ، ووضعا لهم في هذا الموقف الحرج ..."

إن مما تتألم له القلوب وتدمع له العيون ما وقع في حج هذا العام من حوادث مفجعة أودت بحياة المئات من المسلمين ما بين عمارة تهاوت على من فيها ، وتزاحم وتدافع عند الجمرات خلف ضحايا وأموات ، أسأل الله الكريم أن يتقبل من أموات الحجيج حجهم ويكتب لهم أجرهم ويبعثهم أنقياء من خطاياهم كيوم ولدتهم أمهاتهم .

وقد تتابعت المقالات في شتى الصحف والمنتديات ، متناولة هذا الحدث بالتعريف والتحليل في محاولة لتمس الأسباب التي تقف خلفه ، فذهبت في ذلك مذاهب شتى ، فمنها ما أرجع ذلك لتقصير في جانب التنظيم والإدارة ، ومنها ما أرجعه لجهل الحجيج وقلة الوعي ، ومنها ما حمّل تبعة ذلك العلماء والمفتين ، الذين يفتون برأي الجماهير من أهل العلم في توقيت رمي الجمار أيام التشريق ببعد الزوال ، وعدم تجويز الرمي قبله ، فحُمّلوا تبعة ما وقع من ازدحام وتدافع أدى إلى ما أدى إليه من قتلى ووفيات .

فظهرت الدعوات تلو الدعوات مطالبة بالتيسير في هذا الباب ، والتوسيع على الحجيج ، في محاولة لإلزام أهل العلم كافة بتجويز الرمي قبل الزوال ، وحملهم على ذلك حملا .

وقد استظهر أولئك بموقف الدولة المتمثل بتصريح بعض الوزراء والأمراء والذين طالبوا العلماء أن يستنبطوا من الكتاب والسنة ما ييسر على الحجيج حجهم ، فكان استظهارهم هذا إرهابا فكريا للخصوم ، ووضعا لهم في هذا الموقف الحرج إما مع الدولة أو ضدها ، وعلقوا الأزمة برمتها بفتوى هي الحل لهذه الأزمة ولا حل غيرها ، في تغاب وتغييب متعمد لمختلف أسباب هذه الحوادث ، وحصرها في السبب الذي لا سبب وراءه تشدد العلماء وتعنتهم في فتيا الناس بوجوب الرمي بعد الزوال وعدم إجزاء ما كان قبله ، وكأن الجميع براء من كل نقيصة وتقصير إلا تقصير العلماء المزعوم هذا ، ، يقول موسى العبدالعزيز مثلا: (وليست أسبابها -أي حادث الجمرات- القطعية قصورا من ولاة الأمر وفقهم الله بل من قبل عدم استقامة الرؤى الشرعية لمن لم يستقرئ منهج الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه صحيح) 1 .

ويقول حمود أبو طالب: (من كل ذلك، يتضح أن مسألة الرمي بعد الزوال هي المحور الأساسي للمشكلة التي تتكرر بين موسم حج وآخر، وتحد كثيرًا من فعالية الإجراءات التنظيمية التي تتخذها كل الأجهزة المشاركة في تنظيم الحج. وكل عام، وبعد كل حادثة نسمع الحديث المكرر عن ضرورة الإتيان بحل فقهي ميسر يساهم في إنهاء هذه المشكلة) 2 .

هكذا الأمر إذن العلماء هم المسؤولون ولا مسؤول سواهم .

وإن أدنى متابع منصف لشؤون الحج وما يُبذل في سبيل تسهيله وتيسيره يعلم حجم الهوة بين الواقع والمأمول ، بدءا بأزمة المواصلات ، مرورا بمشكلة الإسكان وانتهاء بمثل هذه الوقائع الأليمة التي يذهب ضحيتها زوار البيت الحرام ، وإلا فما الذي يفسر سبب انعدام وسائل المواصلات الحديثة بين مختلف المشاعر كالقطارات مثلا ، وانحصار التنقل بالسيارات والباصات أو على الأقدام والدراجات ، أهم العلماء؟! وما الذي يوجب أن تكون مزدلفة أرضا جرداء قاحلة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، وما الموجب أن تظل منى على الصورة التي هي عليها ، ولا يُسعى في جعلها تستوعب من الحجيج ضعف ما تستوعبه اليوم ، أما خطط الإخلاء وتجهيزات الطوارئ فلا تسل عنها وما حج العام الماضي (عام السيل) عنا ببعيد .

إن الخلل كبير وإن ما يرجى من خير في هذا الباب كثير ، وإن الإمكانات المادية متوافرة والعقول موجودة والطاقات متحفزة فلم التقصير ولم الفوضى ، ولم نفتح على أنفسنا أبواب الطعن عن اليمن والشمال ما بين قناة تتشمت ، ومطالب بنزع اليد عن الحرمين وتدويل الحج ، لا قدر الله! وإنا لنرجو أن يحصل بعض المأمول عن قريب ، ما هو بعزيز ولا غريب .

وواقع هؤلاء المدافعين عم يرى من تقصير ينادي بأنه لو مات الحجيج جميعا فذاك قضاء الرحمن ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، والله المستعان ، وليت الأمر قد اقتصر عند هذا الحد ، في تحميل العلماء مسؤولية هذه الوقائع ، لكن البعض قد تجاوز الأمر إلى محاولة لتصفية الحسابات مع الحركة الإسلامية ، والمرجعية العلمية الشرعية ، فاتخذوا من هذا الحدث والمصاب ، وتلكم المسألة مادة دسمة لمهاجمة خصومهم ، في اتهام بأحادية النظرة والإقصاء والجهل والغفلة عن مقاصد الشريعة ، وأن هذه المسألة مثال من أمثلة كثيرة على التخلف العلمي الذي نعيشه ، ودلالة على أزمة فقه الرأي الواحد الذي نعيشه!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت