فهرس الكتاب

الصفحة 4514 من 27345

د. جمال بادي * 27/8/1425

التناغم كلمة شاعرية ومفهوم أصيل وفعل حضاري في أصله ومقصده إذا كان تناغمًا في الخير والنافع المفيد، إلا أنه إذا كان تناغمًا في الشر أو الخطأ، أو سيطر وهيمن على الوعي ومورس بغلو وزاد عن حده الطبيعي المطلوب ولو كان في الخير؛ تعارض مع مفهوم الإحسان في العمل وإتقانه وتحول إلى عائق يمنع الرؤية الصحيحة للأشياء (أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب) [سورة ص: آية5] ، واستغراب الممكن: (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا إن هذا لشيء عجيب) [سورة هود: آية73)، بل ويمنع التفطن للخطأ (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) [سورة الأعراف: سورة 82] .

كما أن الإفراط في التناغم الخيّر يكرِّس التبعية ويجذِّر الدعة والخمول ويتسبب في الرتابة والكمون والروتين فيحول دون التطور والارتقاء والإبداع في عموم الأحوال والظروف؛ فما بالك بزمن تجاوزت فيه قوة رياح التغييردرجة رياح الأعاصير، فجددت النوازل وأوجدت التحديات التي لم تعهد من ذي قبل!

والتناغم في الدعوة إلى الله تعالى كغيرها من الأعمال أمر مطلوب من حيث الأصل وفي الجملة كما مرّ التنويه عليه آنفًا، لكنه قد يتحوّل إلى عائق يخيم بثقله على الأداء والفعل الدعوي ولا سيما والدعوة تتعامل مع واقع وبيئات معاصرة تعصف بها رياح التغيير والتي ضعت أمامها أصناف العراقيل والتحديات.

ما المقصود بسطوة التناغم: إنه فعل يقع ويحدث عند توحد زوايا النظر، و عندما تضيق دوائر الاهتمام، وتحصر الأحكام، ويُحجّر الواسع، ويُصادر على المُخالِف، وعندما يُشجّع الموافِق، ويُطرب للمادح، ويُقرّب من اعتاد وأحسن هزّ الرأس وإن لم يقتنع، أو اعتمد التلقين وسيلة للتعلم ولو بدون فهم، ويُصفّق لمن أكمل الفراغ بالمتوقع، وعندما نهتز طربًا لمن كرّر المعهود، ونحسن الاستماع لما يعجبنا من الأقوال ونُعرض ونمتعض لما لا يروق لنا منها، ولسان حالنا في كل ذلك يقول: طوبى لمن قولب و سلّم للشيخ أو الجماعة وللفكر علّب ولم يقلّب.

وكلما كان طالب العلم أو الداعية أقل تحزبًا وأكثر تحررًا من قيود المجاملة للآخرين، وأكثر جرأة على تجاوز الحدود والأطر الاجتهادية البشرية، كلما كان أكثر إبداعًا في العطاء، وهذا قد يعلل إبداعات بعض طلبة العلم والدعاة المعاصرين في أسلوب طرحهم ومعالجتهم للأمور، وحسن تخيرهم للموضوعات وعنونتها بما يهز الوجدان ويجذب العقول ويؤثر في القلوب؛ فاستجاب الكثيرون واهتدوا إلى سبيل الحق، لوصول الرسالة وانسجام المعاني القصدية، والتقائها مع المعاني الإدراكية فأدرك المستمع ما أراد المتكلم.

وكلما ازداد التحزب والإعجاب بالذات كلما ازدادت فرصة الإفراط في التناغم وقوة سطوته، حتى يتحول أحيانًا إلى سيفٍ مُسلطٍ يُشاح به في وجه المخالف من صفوف الأتباع تحت مسميات عديدة تحتمي بالعاطفة أحيانًا وتتذرع بالمنطق أخرى مما قد يكون كلمة حق أريد بها خطأً حماية التناغم نحو: أتريد تفريق الكلمة؟ أو هل نحن أفضل من قادتنا ومن سبقنا؟ أتريد أن تأتي بما لم يأت به الأوائل؟ ألا يسعك ما وسع غيرك؟ هل هذا وقت النقد والأعداء يتكالبون علينا؟ أو نحو قول القائل: إن الخلاف شرٌّ، والخير كل الخير في الوحدة والرأي الواحد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

وهذا السلوك السلبي المذكور يزيد بدوره التحزب ترسيخًا. فالتحزب داء عضال يؤدي إلى التناغم المفرط الذي يتحول بدوره إلى عامل يغذيه؛ فبين التحزب والتناغم المفرط تأثر وتأثير متبادل مما يزيد الأمر تعقيدا،ً بحيث يصعب على المتحزب التخلص من سطوة التناغم وتعدي مساره والخروج عن إطاره مهما حاول صاحبه وبذل من الجهد. ويزداد الأمر سوءًا مع المجاملة الأدبية وتعارض وتشاكل بعض القيم عند من أراد التخلص من سطوة التناغم لاصطدامه مع احترام الشيخ والأستاذ وسائر المحبين من الذين يتآلف معهم وتجمعه وإياهم المصالح والأهداف المشتركة.

وكثيرًا ما يعلل هذا السلوك - أي التناغم المفرط - بمفهوم سيطر على التفكير الدعوي عهودًا وعقودًا من الزمن، ألا وهو المحافظة على وحدة الصف، والخوف عليه من التشتت، والأمر يبدو معكوسًا عند التأمل؛ فما تشتت الصف وتفرق الكلمة إلا نتيجة السلطوية في الآراء والأحادية في النظرة والمواقف.

ومن أسباب سطوة التناغم -بالإضافة إلى ما سبق- ألفة الأشياء واعتياد المتكرر واستمراء السير على خطا الغير، وانشراح الصدر للروتين وللقديم المعهود من آليات العمل والتنفيذ.

ومن أسبابه أيضًا الحذر من الجديد، و الخوف من التغيير وهو عامل نفسي قهري.

وكان من نتائج سطوة التناغم في الآراء والاجتهادات الدعوية استمرار العمل الدعوي بآليات ومفاهيم ومفردات ووسائل وضعت منذ عقود تكاد أن تصل قرنًا من الزمان للتعامل مع واقع جديد مغاير لذلك القديم من حيث التحديات والوقائع والظروف والواجبات وهو أمر عجيب حقًا ويبعث على الدهشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت