فهرس الكتاب

الصفحة 5769 من 27345

التقارب الديني خطره مراحله آثاره

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*

تقديم:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه, الحمد لله الذي أنزل الكتاب المحكم المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد, ذلك الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، لا تنفد معجزاته الخبرية, قال عز من قائل: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [سورة البقرة:120] . وقال: (لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى [1] ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) [سورة المائدة:82-83] .

وصلى الله وسلم وبارك على محمد النبي الأمي، الذي حذَّرنا من اتخاذ الرؤوس الجُهّال, فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا, فسُئِلوا, فأفتوْا بغير علم فَضَلُّوا وأضلُّوا) [2] .

ولقد عدَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ذهابَ العلم وفشوَّ الجهل من علامات قرب الساعة, فقال فيما صحَّ عنه: (إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويكثر الجهل... الحديث) ، والعلم هو السنة، والجهل هو البدعة.

أما بعد...

فإن الأمور التي عمَّت بها البلوى في هذا العصر أكثر من أن تحصى، وأوضح من أن ينبَّه عليها, ولكن من أخطر تلك الأمور تلك الدعوة التي رفعها بعض المنهزمين بإيعاز من المستشرقين في أواخر القرن الميلادي الماضي, وقد جاراهم فيها بعض الصلحاء المستغفلين من الدعاة, ألا وهي (دعوى التقارب الديني) ، أو (وحدة الأديان) ، أو الدعوة إلى (الحزب الإبراهيمي) ، أو جمع أهل الأديان السماوية على (الملة الإبراهيمية) ، ونحو ذلك من هذا الهُراء.

لقد لاقت هذه الدعوة في الآونة الأخيرة - بعد أن كسدت سوقها فترةً - رواجًا خاصًا في السودان, حيث عقدت عدة مؤتمرات وندوات لمناقشة كيفية التوصل إلى دين عالمي جديد، يجعل الناس - كل الناس - يعيشون في وئام وسلام، خاصةً في البلد الواحد, دون أدنى اعتبارٍ لدينهم وتراثهم وثقافتهم, فـ"الدين لله, والوطن للجميع، وما لله لله وما لقيصر لقيصر"!!

هذا الدين العالمي الجديد يوالي فيه المسلم أخاه النصراني واليهودي والمجوسي والوثني!!! إذ جميعهم من آدم وحواء عليهما السلام!!

وهذا بحث بعنوان: (التقارب الديني: خطره, أسبابه, دعاته) ، يتكلَّم عن تاريخ هذه الدعوة, عن بَطَلَتها, وعن الأٍسباب الحقيقة للقيام بها, عن مخالفتها الصريحة البينة الواضحة لما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلىكلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [سورة آل عمران:64] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني) .

كتبته نصيحة لله ولرسوله، ولدينه، ولدعاة هذه الدعوة، ولعامة المسلمين, ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حيّ عن بينة.

واللهَ أسألُ أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأن يُريَنا وجميعَ إخواننا المسلمين الحق حقًا, ويرزقنا اتباعه, ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه, , والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل, وصلى الله وسلم على رسوله القائل: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة) ، وفي رواية: (حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) .

وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم

وحدة الأديان أو التقارب الديني

الغرض الأساسي والهدف الأول من هذه الدعوة هو: إبعاد الإسلام، وإقصاؤه عن الحياة, وإذابة معتقداته؛ ليعيش أصحاب الملل المختلفة في البلد الواحد في محبة ووئام وسلام, وتزول عنهم الخلافات الدينية، ويختفي منهم الولاء الديني، ليصبح الولاء للوطن الذي هو للجميع, فالدين لله والوطن والجميع!!!

متى ظهرت هذه الدعوة في العالم الإسلامي؟ ومن هم بطلتها؟

بدأت هذه الدعوة - أول ما بدأت - في الربع الأخير من القرن الماضي, بإيعاز من بعض القُسُس، فهي ثمرة من ثمار الغزو الفكري والاستعمار الأوربي الذي جثم على صدر الأمة الإسلامية في ذلك الحين, ثم توالت الصيحات فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت