الفصل الأول
قواعد وأسس في السنة والبدعة
المبحث الأول
الحث على اتباع السنة والتحذير من البدعة
وبيان أسباب الابتداع
أولًا: الآيات الكريمات التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع:
1.قال الله تعالى: ( وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (1) .
قال القرطبي: [ هذه آية عظيمة ... فإنه لما نهى وأمر وحذر هنا عن اتباع غير سبيله فأمر فيها باتباع طريقه ] (2) .
فالصراط المستقيم المذكور في الآية الكريمة هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع والأهواء (3) .
2.وقال الله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (4) .
قال الراغب الأصفهاني: [ والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله ] (5) .
وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [ سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول - صلى الله عليه وسلم - . فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال: لا تفعل . قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر . قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة . فقال: وأي فتنة هذه ؟ إنما هي أميال أزيدها . قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم - إني سمعت الله يقول: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ] (6) .
3.وقال الله تعالى: ( وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (7)
4.وقال الله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (8) . فأمر الله سبحانه وتعالى برد المتنازع فيه إلى قوله جل جلاله وإلى قول الرسول- صلى الله عليه وسلم - .
5.وقال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (9) .
قال الإمام مالك رحمه الله:[ ومن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - خان الدين لأن الله تعالى يقول:
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا] (10) .
ولأن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن الشريعة قد كملت قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئًا لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكًا على الله سبحانه وتعالى وتوحي بأن الشريعة ناقصة وهذا يخالف ما جاء في كتاب الله (11) .
6.وقال تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (12) .
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي:[ تنبيه: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هي اتباعه - صلى الله عليه وسلم - فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر إذ لو كان محبًا له لأطاعه ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر:
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع ] (13) .
7.وقال تعالى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (14) .
ثانيًا: الأحاديث النبوية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع:
1.عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه - قال: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم . ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى . ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم (15) .
(1) سورة الأنعام الآية 153 .
(2) تفسير القرطبي 7/137 .
(3) انظر الإبداع ص 92-93 .
(4) سورة النور الآية 63 .
(5) المفردات في غريب القرآن ص 156 .
(6) الاعتصام 1/132 .
(7) سورة الحشر الآية 7 .
(8) سورة النساء الآية 59 .
(9) سورة المائدة الآية 3 .
(10) الاعتصام 2/53 .
(11) الموسوعة الفقهية 8/23 .
(12) سورة آل عمران الآية 31 .
(13) أضواء البيان 1/217 ، وانظر تفسير المنار 3/284 .
(14) سورة الشورى الآية 21 .
(15) صحيح مسلم بشرح النووي 2/464 .